"يوشك الْأمم) أيْ: يقْرب فرق الْكفْر والضّلالة ("أنْ تداعى") :حذف إحْدى التّاءيْن، أيْ: تتداعى (عليْكمْ) :بأنْ يدْعو بعْضهمْ بعْضًا لمقاتلتكمْ وكسْر شوْكتكمْ وسلْب ما ملكْتموه من الدّيار والْأمْوال (كما تداعى) أيْ: تتداعى (الْأكلة) بالْمدّ، وهي الرّواية على نعْت الْفئة والْجماعة أوْ نحْو ذلك، كذا روى لنا عنْ كتاب أبي داود، وهذا الْحديث منْ أفْراده، ذكره الطّيبيّ - رحمه اللّه -.ولوْ روي الْأكلة بفتْحتيْن على أنّه جمْع آكلٍ اسْم فاعلٍ لكان له وجْهٌ وجيهٌ، والْمعْنى: كما يدْعو أكلة الطّعام بعْضهمْ بعْضًا (إلى قصْعتها) أي: الّتي يتناولون منْها بلا مانعٍ ولا منازعٍ، فيأْكلونها عفْوًا صفْوًا، كذلك يأْخذون ما في أيْديكمْ بلا تعبٍ ينالهمْ، أوْ ضررٍ يلْحقهمْ، أوْ بأْسٍ يمْنعهمْ."
(فقال قائلٌ: ومنْ قلّةٍ) :خبر مبْتدأٍ محْذوفٍ، وقوْله: (نحْن يوْمئذٍ) :مبْتدأٌ وخبرٌ صفةٌ لها، أيْ: أذلك التّداعي لأجْل قلّةٍ نحْن عليْها يوْمئذٍ (قال:"بلْ أنْتمْ يوْمئذٍ كثْرةٌ") أيْ: عددًا وقليلٌ مددًا، وهذا معْنى الاسْتدْراك بقوْله: ("ولكنّكمْ غثاءٌ") بالضّمّ ممْدودًا.
قال الطّيبيّ - رحمه اللّه: ("كغثاء السّيْل") :قال الطّيبيّ بالتّشْديد أيْضًا ما يحْمله السّيْل منْ زبدٍ ووسخٍ، شبّههمْ به لقلّة شجاعتهمْ، ودناءة قدْرهمْ، وخفّة أحْلامهمْ، وخلاصته: ولكنّكمْ تكونون متفرّقين، ضعيفي الْحال، خفيفي الْبال، مشتّتي الْآمال، ثمّ ذكر سببه بعطْف الْبيان فقال: (ولينْزعنّ) أيْ: ليخْرجنّ (اللّه منْ صدور عدوّكم الْمهابة) أي: الْخوْف والرّعْب (منْكمْ) أيْ: منْ جهتكمْ ("وليقْذفنّ") بضمّ الْياء أيْ: وليرْمينّ أي: اللّه ("في قلوبكم الْوهْن") أي: الضّعْف، وكأنّه أراد بالْوهْن ما يوجبه ; ولذلك فسّره بحبّ الدّنْيا وكراهة الْموْت حيْث قال: (قال قائلٌ: يا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وما الْوهْن) ؟ أيْ ما سببه وما موجبه؟ قال الطّيبيّ - رحمه اللّه:سؤالٌ عنْ نوْع الْوهْن، أوْ كأنّه أراد منْ أيّ وجْهٍ يكون ذلك الْوهْن (قال:"حبّ الدّنْيا وكراهة الْموْت") وهما متلازمان فكأنّهما شيْءٌ واحدٌ، يدْعوهمْ إلى إعْطاء الدّنيّة في الدّين من الْعدوّ الْمبين، ونسْأل اللّه الْعافية فقد ابْتلينا بذلك، فكأنّما نحْن الْميّتون بما ذكر هنالك. [1]
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3365)