أنْفُسِهِمْ وفِي روابِطِهِم الاجْتِماعِيّةِ)،بِأنّهُ سيغْفِرُ لهُمْ ذُنُوبهُمْ، ويتجاوزُ عنْ سيِّئاتِهِمْ، ويُثِيبُهُمْ بِالأجْرِ العظِيمِ، وهُو الجزاءُ المُضاعفُ على الإِيمانِ والعملِ الصّالِحِ، فضْلًا مِنْهُ ورحْمةً مِنْ لدُنْهُ [1] .
لقد نهى اللّه الذين آمنوا من قبل أن يحملهم الشنآن لمن صدوهم عن المسجد الحرام، على الاعتداء. وكانت هذه قمة في ضبط النفس والسماحة يرفعهم اللّه إليها بمنهجه التربوي الرباني القويم. فهاهم أولاء ينهون أن يحملهم الشنآن على أن يميلوا عن العدل .. وهي قمة أعلى مرتقى وأصعب على النفس وأشق. فهي مرحلة وراء عدم الاعتداء والوقوف عنده تتجاوزه إلى إقامة العدل مع الشعور بالكره والبغض! إن التكليف الأول أيسر لأنه إجراء سلبي ينتهي عند الكف عن الاعتداء. فأما التكليف الثاني فأشق لأنه إجراء إيجابي يحمل النفس على مباشرة العدل والقسط مع المبغوضين المشنوئين! والمنهج التربوي الحكيم يقدر ما في هذا المرتقى من صعوبة. فيقدم له بما يعين عليه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ ... »
ويعقب عليه بما يعين عليه أيضا: «وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» ..
إن النفس البشرية لا ترتقي هذا المرتقى قط، إلا حين تتعامل في هذا الأمر مباشرة مع اللّه. حين تقوم للّه، متجردة عن كل ما عداه. وحين تستشعر تقواه، وتحس أن عينه على خفايا الضمير وذات الصدور.
وما من اعتبار من اعتبارات الأرض كلها يمكن أن يرفع النفس البشرية إلى هذا الأفق، ويثبتها عليه.
وما غير القيام للّه، والتعامل معه مباشرة، والتجرد من كل اعتبار آخر، يملك أن يستوي بهذه النفس على هذا المرتقى.
وما من عقيدة أو نظام في هذه الأرض يكفل العدل المطلق للأعداء المشنوئين، كما يكفله لهم هذا الدين حين ينادي المؤمنين به أن يقوموا للّه في هذا الأمر وأن يتعاملوا معه، متجردين عن كل اعتبار.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:678، بترقيم الشاملة آليا)