إِنّ هذا القُرآن هُدى ودلائِلُ للنّاسِ فِيما يحتاجُون إِليهِ في أمرِ دِينِهم، وهُو بيِّناتٌ تُبصِّرُهُم، وتُعرِّفُهُم بِواجِباتِهِمْ نحْو ربِّهمْ، وهُو هُدًى يهدِيهم إِلى ما فيهِ خيرهُمُ وصلاحُ أمرِهِم، وفيهِ الرّحمةُ لِقومٍ يُوقِنُون بِأنّهُ مُنزّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ ربِّ العالمين. [1]
قوله تعالى: «ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» ..
هو معطوف على قوله تعالى: «وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ» .. أي ثم بعد أن آتينا بنى إسرائيل ما آتيناهم من بينات من دين الله وشريعته، جعلناك أيها النبي على شريعة من الأمر، فاتبعها ..
وفى العطف بثم، إشارة إلى تراخى الزمن، بين ما أنزل الله سبحانه على بنى إسرائيل من آيات ومعجزات، وبين بعثه الرسول، وما أنزل الله الله سبحانه وتعالى عليه من آياته وكلماته ..
وفى قوله تعالى: «ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ» - إشارة إلى أن الرسول- صلى الله عليه وسلم - لم يؤت مجرد آيات، وبينات من الدين، وإنما أوتى الدّين كلّه، وأنه قد جعل القائم على شريعة هذا الدين، حيث يرد الواردون إليه، فيجدون الرّى من هذا المورد، ويحمل كل وارد ما استطاع حمله منه ..
والشريعة: مورد الماء .. وفى تشبيه الشريعة الإسلامية بمورد الماء، إشارة إلى أمور:
أولها: أن القرآن الكريم، الذي هو مصدر هذه الشريعة، هو شىء واحد، أشبه بالماء ... طبيعة واحدة، لا يختلف بعض عن بعض من حيث هو ماء يرده الواردون للسقيا منه .. وكذلك آيات الله وكلماته، كلها على سواء في جلالها وإعجازها وما فيها للأرواح من حياة.
وثانيها: أن إعجاز القرآن، يبدو في كل آية من آياته، كما يبدو في القرآن كله .. كالماء تكشف القطرة منه عن جوهره كله ..
وثالثها: أن ما أوتيه الرسل من المعجزات، هو بينات من الدين الذي يدعون إليه، وليس بيّنة واحدة، إذ كانت كل معجزة تختلف عن أختها في صورتها، وفى آثارها في الناس .. وهذا ما
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4370، بترقيم الشاملة آليا)