فهرس الكتاب

الصفحة 2566 من 3472

وعَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى الْعَرِيشِ، قَالَ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو، يَقُولُ: اللَّهُمَّ اُنْصُرْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ، فَإِنَّك إِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَمْ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَعْضَ مُنَاشَدَتِكَ رَبَّك، فَوَاللهِ لَيُنْجِزَنَّ لَك الَّذِي وَعَدَكَ [1] .

وقَالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلائِهَا وَفَخْرِهَا تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَأَحْنِهِمُ الْغَدَاةَ [2]

وهذا درس رباني مهم لكل قائد أو حاكم أو زعيم أو فرد في التجرد من النفس وحظها، والخلوص واللجوء لله وحده، والسجود والجثي بين يدي الله سبحانه؛ لكي ينزل نصره. ويبقى مشهد نبيه، وقد سقط رداؤه عن كتفه وهو مادٌّ يديه يستغيث بالله، يبقى هذا المشهد محفورًا بقلبه ووجدانه، يحاول تنفيذه في مثل هذه الساعات، وفي مثل هذه المواطن، حيث تناط به المسئولية وتلقى عليه أعباء القيادة. [3]

لقد شفع الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه العصابة المؤمنة في هذه الساعة الحاسمة الدقيقة، بالكلمة الوجيزة التي تجلّت فيها الثقة والاضطراب والسكينة والافتقار جنبا لجنب، فكانت أدقّ تعريف بهذه الأمة وأدق تحديد لمركزها ومكانتها بين الأمم، وقيمتها وغنائها في هذا العالم، والثغر الذي ترابط عليه، وهو الدعوة إلى الله وإخلاص الدين والعبادة له.

وقد أثبت الانتصار الرائع المعجز الذي أبطل كلّ تجربة، صدق هذه الكلمة ودقّتها، وأنّها كانت تصويرا دقيقا لهذه الأمّة

ولمّا أجاب الله دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم وقضى بانتصار المسلمين على عدوهم- على تفاوت واضح بين العدد والعدد- وبقائهم، فكان بقاء المسلمين مشروطا بقيام حياة العبودية بهم والدعوة إلى التوحيد الخالص، فلو انقطعت الصلة بينهم وبين الدعوة إلى التوحيد الخالص، وعبادة الله تعالى ورواجها وازدهارها في العالم، لم يبق على الله لهم حقّ وذمة، وأصبحوا كسائر الأمم، خاضعين لنواميس الحياة وسنن الكون. فكانت الدعوة إلى

(1) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (20/ 319) (37843) صحيح

(2) -الجامع الصحيح للسنن والمسانيد (9/ 385، بترقيم الشاملة آليا) ودلائل النبوة للبيهقي محققا (3/ 35)

(3) -السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (ص:408) وانظر: التربية القيادية (3/ 36)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت