كَرَامَةُ اللَّهِ لَهُ وَشَهَادَةُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ بِحُضُورِهِمْ عِنْدَهُ عَلَى هَيْئَةِ الْإِكْرَامِ وَشَهَادَتِهِ لَهُ بِالْخَيْرِ وَإِكْرَامِهِ لَهُ كَمَا حَصَلَ لِبَعْضِ الشُّهَدَاءِ مِنْ تَظْلِيلِهِ بِأَجْنِحَتِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ حَتَّى رُفِعَ وَشَهَادَةُ الدَّمِ عَلَيْهِ وَتَأَهَّلَ لِهَذِهِ الْكَرَامَةِ بِأَنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ وَكُلَّ مَنْ يُحِبُّهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِنُصْرَةِ دِينِهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ وَإِعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَخِذْلَانِ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَتَجَرُّؤُ عَدُوِّ اللَّهِ عَلَيْهِ تَجَرُّؤٌ عَلَى اللَّهِ وَصَدًّا لَهُ عَنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَقَطْعًا لِسَبِيلِهِ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى عَبِيدِهِ فَجَازَاهُ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْمِيتَةِ بِحَيَاةِ الْأَبَدِ وَجَعَلَهُ حَيًّا بَاقِيًا مَرْزُوقًا فَرِحًا مُسْتَبْشِرًا آمِنًا.
وَاخْتِصَارُ هَذَا الَّذِي يُكْتَبُ فِي الْفَتْوَى أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَقِيقَتُهَا مَوْتُ الْمُسْلِمِ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ قِتَالِهِمْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، وَيُغْنِي عَنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْأَرْبَعَةِ قَاصِدًا إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَشَرَفَهَا لِبَذْلِ نَفْسِهِ لِلَّهِ فِي إعْلَاءِ كَلِمَتِهِ وَقَتْلِ عَدُوٍّ لِلَّهِ لَهُ دُونَ الْوُصُولِ دُونَ ذَلِكَ؛ وَأَمَّا بَقِيَّةُ الصُّوَرِ فَشَارَكَتْ هَذِهِ الصُّوَرَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمَعَانِي كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
وَأَمَّا النَّتِيجَةُ فَقَدْ بَيَّنَّا بَعْضَهَا فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إلَّا الدَّيْنَ» وَفِيهِ أَيْضًا «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الدَّيْنَ» وَفِيهِ «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَ، ثُمَّ تَأْوِي إلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ» وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَأَمَّا الدَّيْنُ فَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَمَّا قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -"إلَّا الدَّيْنَ"فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى جَمِيعِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَإِنَّمَا تُكَفَّرُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -"نَعَمْ"،ثُمَّ قَالَ"إلَّا الدَّيْنَ"فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أُوحِيَ بِهِ إلَيْهِ فِي الْحَالِ هَذَا كَلَامُ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إنَّ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ لَا يُكَفِّرُ تَبَاعَاتِ الْآدَمِيِّينَ وَإِنَّمَا يُكَفِّرُ مَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ مِنْ كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ إلَّا الدَّيْنَ الَّذِي هُوَ مِنْ حُقُوقِ بَنَى آدَمَ وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ