رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَقِيقِيَّةٌ بِطَعْنِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ لَهُ وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الشَّهَادَاتِ تَالِيَةً لِشَهَادَةِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا فَإِنَّ أَبَا لُؤْلُؤَةَ كَافِرٌ مَجُوسِيٌّ إنَّمَا قَتَلَ عُمَرًا لِقِيَامِ عُمَرَ فِي دِينِ اللَّهِ أَعْظَمَ مِنْ قِيَامِ الْمُجَاهِدِينَ فَكَانَ فِي مَعْنَى الصُّورَةِ الْأُولَى سَوَاءٌ وَيَحْصُلُ لَهُ مَعَ ذَلِكَ أَجْرُ سُؤَالِهِ الشَّهَادَةِ وَمَعَ ذَلِكَ غُسِّلَ وَصُلِّي عَلَيْهِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الشُّهَدَاءِ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هُوَ شَهِيدٌ فِي الْآخِرَةِ. وَبَقِيَ هُنَا بَحْثَانِ (أَحَدُهُمَا) اسْتَشْكَلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ سُؤَالَ الشَّهَادَةِ وَهِيَ قَتْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ وَقَتْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ مَعْصِيَةٌ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ تَحْصُلُ فِي الْحَرْبِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقِتَالِ غَيْرِ تَعَمُّدِ الْكَافِرِ أَوْ قَتْلِهِ.
وَالثَّانِي أَنَّ الشَّهَادَةَ لَهَا جِهَتَانِ: إحْدَاهُمَا حُصُولُ تِلْكَ الْحَالَةِ الشَّرِيفَةِ فِي رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ الْمَسْئُولَةُ وَالثَّانِيَةُ قَتْلُ الْكَافِرِ وَهُوَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَقْتُولٌ مِنْهُ فِي حِينِ جَاءَ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ. (الْبَحْثُ الثَّانِي) التَّمَنِّي بِمِثْلِ ذَلِكَ جَائِزٌ بَلْ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى قَدَّمْنَا تَمَنِّي الشَّهِيدِ فِي الْآخِرَةِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا وَهُوَ دَلِيلٌ لِجَوَازِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ التَّمَنِّي فِي مِثْلِ قَوْلِهِ {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء:32] وَفِي الْأَحْكَامِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَوْلَا أَنَّ التَّمَنِّي حَرَامٌ لَتَمَنَّيْنَا هَذَا هَكَذَا يَعْنِي فِي أَنَّ الْعَرَبَ يَسْتَرِقُونَ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَمَنَّى أَنَّ الْخَمْرَ لَمْ يُحَرَّمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ. (الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ) الطَّاعُونُ نَسْأَلُ اللَّهُ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ. رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَخِي أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» .وَفِي رِوَايَةٍ فِي غَيْرِ الْمُسْتَدْرَكِ «إنَّمَا وَخْزٌ مِنْ الشَّيْطَانِ» وَالْوَخْزُ طَعْنٌ لَيْسَ بِنَافِذٍ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ مُشَارَكَتُهُ لِلْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ مِنْ كَافِرِ لِمُسْلِمٍ بَلْ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُ الشَّيْطَانُ وَالشَّيْطَانُ إنَّمَا يُعَادِي الْمُسْلِمَ عَلَى