والتّدْمِيرِ. أمّا الأُممُ التِي لا يجِدُ فِيها الظّالِمُون منْ يرْدعُهُم وينْهاهُم عنِ الفسادِ فِي الأرْضِ فإِنّ سُنّة اللهِ تعالى تُحِقُّ عليْها إِمّا بِهلاكِ الاسْتِئْصالِ، وإِمّا بِهلاكِ الانْحِلالِ والاخْتِلالِ؟ [1]
وقال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) } [المائدة:78 - 81]
لعن اللهُ الذِين كفرُوا مِنْ بنِي إِسْرائِيل فِي الزّبُورِ والإِنْجِيلِ، فقدْ لعن داوُدُ، عليْهِ السّلامُ، مِنْ اعْتدى مِنْهُمْ فِي السّبْتِ، أوْ لعن العاصِين المُعْتدِين مِنْهُمْ عامّةً، وكذلِك لعنهُمْ عِيسى بِنِ مرْيم، وسببُ ذلِك اللّعْنِ هُو تمادِيهِمْ فِي العِصْيانِ، وتمرُّدُهُمْ عنْ طاعةِ اللهِ، وتمادِيهِمْ فِي الظُّلْمِ والفسادِ (بِما كانُوا يعْتدُون) .
فقدْ كانُوا لا ينْهى أحدٌ مِنْهُمْ أحدًا عنِ مُنْكرٍ يقْترِفُهُ مهْما بلغ مِن القُبْحِ والضّررِ. والنّهِيُ عنِ المُنْكرِ هُو حِفاظُ الدِّينِ، وسِياجُ الفضائِلِ والآدابِ، فإذا تجرّأ المُسْتهْتِرُون على إِظْهارِ فِسْقِهِمْ وفُجُورِهِمْ، ورآهُمُ الغوْغاء مِن النّاسِ قلّدُوهُمْ فِيهِ، وزال قُبْحُهُ مِنْ نُفُوسِهِمْ، وصار عادةً لهُمْ، وزال سُلْطانُ الدِّينِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وتُرِكتْ أحْكامُهُ وراء ظُهُورِهِمْ، وفِي ذلِك إِشارةٌ إلى فشْوِ المُنْكراتِ فِيهِمْ. ويُقبِّحُ اللهُ تعالى سُوء فِعْلِهِمْ، ويذُمُّهُمْ على اقْتِرافِ المُنْكراتِ، وإِصْرارِهِمْ عليْها وسُكُوتِ الآخرِين عنْها، ورِضاهُمْ بِها.
وترى يا مُحمّدُ كثِيرًا مِنْ بنِي إِسْرائِيل، يتولّوْن الذِين كفرُوا مِنْ مُشْرِكِي العربِ ويُحالِفُونهُمْ عليْك، ويُحرِّضُونهُمْ على قِتالِك، وأنْت تُؤْمِنُ بِاللهِ، وبِما أنْزل اللهُ على رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ، وتشْهدُ لهُمْ بِصِدْقِ الرِّسالةِ، وأُولئِك لا يُؤْمِنُون بِكِتابٍ ولا رسُولٍ، ولا يعْبُدُون الله وحْدهُ، ولولا اتِّباعُ الهوى، وتزْيينُ الشّيْطانِ لهُمْ أعْمالهُمْ، ما فعلُوا ذلِك، فبِئْس ما قدّمُوهُ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1590، بترقيم الشاملة آليا)