فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 3472

يخافون أن يتخطفهم الناس لو اتبعوا هدى الله، والله هو الذي مكن لهم هذا الحرم الآمن منذ أيام أبيهم إبراهيم؟ أفمن أمنهم وهم عصاة، يدع الناس يتخطفونهم وهم تقاة؟! «ولكنّ أكْثرهمْ لا يعْلمون» .. لا يعلمون أين يكون الأمن وأين تكون المخافة. ولا يعلمون أن مرد الأمر كله لله.

فأما إن أرادوا أن يتقوا المهالك حقا، وأن يأمنوا التخطف حقا، فها هي ذي علة الهلاك فليتقوها: «وكمْ أهْلكْنا منْ قرْيةٍ بطرتْ معيشتها فتلْك مساكنهمْ لمْ تسْكنْ منْ بعْدهمْ إلّا قليلًا، وكنّا نحْن الْوارثين» ..

إن بطر النعمة، وعدم الشكر عليها، هو سبب هلاك القرى. وقد أوتوا من نعمة الله ذلك الحرم الآمن فليحذروا إذن أن يبطروا، وألا يشكروا، فيحل بهم الهلاك كما حل بالقرى التي يرونها ويعرفونها، ويرون مساكن أهلها الداثرين خاوية خالية .. «لمْ تسْكنْ منْ بعْدهمْ إلّا قليلًا» .وبقيت شاخصة تحدث عن مصارع أهلها، وتروى قصة البطر بالنعمة وقد فني أهلها فلم يعقبوا أحدا، ولم يرثها بعدهم أحد «وكنّا نحْن الْوارثين» .على أن الله لم يهلك تلك القرى المتبطرة إلا وقد أرسل في أمها رسولا. فتلك هي سنته التي كتبها على نفسه رحمة بعباده: «وما كان ربّك مهْلك الْقرى حتّى يبْعث في أمّها رسولًا يتْلوا عليْهمْ آياتنا، وما كنّا مهْلكي الْقرى إلّا وأهْلها ظالمون» ..

وحكمة إرسال الرسول في أم القرى - أي كبراها أو عاصمتها - أن تكون مركزا تبلغ منه الرسالة إلى الأطراف فلا تبقى حجة ولا عذر فيها لأحد. وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم- في مكة أم القرى العربية. فهو ينذرهم عاقبة المكذبين قبلهم بعد ما جاءهم النذير. «وما كنّا مهْلكي الْقرى إلّا وأهْلها ظالمون» .. يكذبون بالآيات عن معرفة وعن يقين! على أن متاع الحياة الدنيا بكامله، وعرض الحياة الدنيا جميعه، وما مكنهم الله فيه من الأرض، وما وهبهم إياه من الثمرات، وما يتسنى للبشر كلهم طوال هذه الحياة، إن هو إلا شيء ضئيل زهيد، إذا قيس بما عند الله: «وما أوتيتمْ منْ شيْءٍ فمتاع الْحياة الدّنْيا وزينتها. وما عنْد اللّه خيْرٌ وأبْقى. أفلا تعْقلون؟» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت