فهرس الكتاب
يحالِفُونا، وإِنّ بيْننا وبيْن قوْمِنا خُصُومةً، فنُخاصِمُهُمْ إليك فتقْضِي لنا عليْهِمْ، ونُؤْمِنُ لك ونُصدِّقُك. فأبى الرّسُولِ صلى الله عليه وسلم ذلِك وأنْزل اللهُ تعالى هذِهِ الآية فِيهِمْ.
وفِي هذِهِ الآيةِ يُؤكِّدُ اللهُ تعالى على ما أمر بِهِ رسُولهُ مِن الحُكْمِ بيْن أهْلِ الكِتابِ بِما أنْزل اللهُ إليْهِ فِي القُرْآنِ، ويُحذِّرُهُ مِنْ أنْ يفْتِنهُ اليهُودُ، ويصْرِفُوهُ عنِ الحقِّ، ويأمُرُهُ بِألاّ يغْترّ بِهِمْ، فهُمْ كذبةٌ كفرةٌ. ثٌمّ يقُولُ تعالى لِنبِيِّهِ: فإنْ أعْرضُوا عنْ حُكْمِك بعْد تحاكُمِهِمْ إليْك، فاعْلمْ أنّ ذلِك كائِنٌ عنْ إِرادةِ اللهِ، ومشِيئتِهِ، وحِكْمتِهِ فِيهِمْ، أنْ يصْرِفهُمْ عنِ الهُدى لِيُعذِّبهُمْ بِبعْضِ ذُنُوبِهِمْ فِي الحياةِ الدُّنْيا قبْل الآخِرةِ، وإنّ أكْثر النّاسِ خارِجُون عنْ طاعةِ اللهِ، مُخالِفُون لِلْحقِّ. أيتولّوْن عنْ حُكْمِك بِما أنْزل اللهُ؟ فهلْ يُرِيدُون حُكْمًا كحُكْمِ الجاهِلِيّةِ المبْنِي على التحيُّزِ والهوى، وترْجِيحِ جانِبِ القويِّ على الضّعِيفِ؟ ومنْ أحْسنُ مِن اللهِ حُكْمًا، ومنْ أعْدلُ مِنْهُ فصْلًا؟ لِمنْ عقل شرْع اللهِ وآمن بِهِ؟ [1]
قال العلامة ابن كثير رحمه الله:"يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ المُحْكَم الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَعَدْلٍ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، مِمَّا يَضَعُونَهَا بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَكَمَا يَحْكُمُ بِهِ التَّتَارُ مِنَ السِّيَاسَاتِ الْمَلَكِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانَ، الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ اليَساق (اليسق) وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كِتَابٍ مَجْمُوعٍ مِنْ أَحْكَامٍ قَدِ اقْتَبَسَهَا عَنْ شَرَائِعَ شَتَّى، مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ أَخَذَهَا مِنْ مُجَرَّدِ نَظَرِهِ وَهَوَاهُ، فَصَارَتْ فِي بَنِيهِ شَرْعًا مُتَّبَعًا، يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الْحُكْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قِتَالُهُ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا يَحْكُمُ سِوَاهُ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} أَيْ: يَبْتَغُونَ وَيُرِيدُونَ، وَعَنْ حُكْمِ اللَّهِ يَعْدِلُونَ. {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أَيْ: وَمَنْ أَعْدَلُ مِنَ اللَّهِ فِي حُكْمِهِ لِمَنْ عَقل عَنِ اللَّهِ شَرْعَهُ، وَآمَنَ بِهِ وَأَيْقَنَ وَعَلِمَ أَنَّهُ تَعَالَى أَحْكَمُ"
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 711، بترقيم الشاملة آليا)