وأنْزل اللهُ تعالى الطُمأنِينة على رسُولِهِ، وعلىلمُؤْمِنِين الذِين ثبتوا معهُ، فأذْهب روْعهُمْ، وأزال حيْرتهُمْ، وأعاد إِليْهِمْ شجاعتهُمْ، ولزِم الرّسُولِ صلى الله عليه وسلم مكانهُ، ومعهُ القِلّةُ التِي ثبتتْ مِن المُؤْمِنِين، واسْتنْصر الرّسُولُ ربّهُ، فأنْزل اللهُ جُنُودًا مِن الملائِكةِ لمْ يرها المُسْلِمُون بِأبْصارِهِمْ، بلْ وجدُوا أثرها فِي قُلُوبِهِمْ، بِما عاد إِليْها مِنْ رباطة جأْشٍ، وشِدّةِ بأْسٍ. وأخذ الرّسُولُ صلى الله عليه وسلم حفْنةً مِنْ تُرابٍ قذفها فِي وجْهِ القوْمِ، فلمْ يبْق مُقاتِلٌ مِنْ هوازِنْ إلاّ ودخلتْ فِي عيْنِهِ أوْ فمِهِ حبّةٌ مِنْ تُرابٍ أشْغلتْهُ عنِ القِتالِ، وتراجع الذِين هربُوا مِن المُسْلِمِين، إِلى حيْثُ كان يقِفُ رسُول اللهِ وصحْبُهُ الثّابِتُون، وحملُوا على هوازِن فنصرهُمُ اللهُ، وعذّب الذِين كفرُوا، وقاتلُوا رسُول اللهِ، فأخْزاهُمُ اللهُ وأذلّهُمْ بِالقتْلِ والسّبْيِ، وهذا هُو مصِيرُ القوْمِ الكافِرِين، وجزاؤُهُمْ.
ثُمّ يتُوبُ اللهُ، مِنْ بعْدِ القتْلِ والخِزْيِ والتعْذِيبِ، على منْ بقِي مِنْ هوازِن فيهْدِيهِمْ إِلى الإِسْلامِ، وقدْ قدِمُوا على رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُسْلِمِين، ولحِقُوا بِهِ فِي مكّة فِي مكانٍ يُعْرفُ بِالجعْرانةِ، وذلِك بعْد الموْقِعةِ بِعِشْرِين يوْمًا، وحِينئِذٍ خيّرهُمْ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بيْن سبْيِهِمْ، وبيْن أمْوالِهِمْ، فاخْتارُوا سبْيهُمْ، وكانُوا سِتّة آلافِ أسِيرٍ ما بيْن صبِيٍّ وامْرأةٍ فردّهُمْ عليْهِمْ، وقسّم الأمْوال بيْن المُقاتِلِين. [1]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1261، بترقيم الشاملة آليا) والتفاصيل في كتابي المهذب في عوامل النصر والهزيمة