للجهاد، ويقبل في صفوف المجاهدين .. أما أولئك المترددون، الذين يأخذون الجانب الهيّن اللّين من كل أمر، فلا مكان لهم في هذا المقام الكريم، الذي هو مقام الرجال!! قوله تعالى: «وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» بيان كاشف لموقف المجاهد، ومكانته عند الله .. فهو في إحدى منزلتين: إما أن يقتل، فيحسب في عداد الشهداء، وإما أن يغلب وينتصر، ويغنم .. وهو في كلا الأمرين محمود عند الله، له أجر الشهداء ومنزلة المستشهدين ..
وفى قوله تعالى: «فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ» إشارة إلى أن المجاهدين في سبيل لهم العاقبة والنصر أبدا .. وأن الذين استشهدوا قد كتبوا بدمائهم الزكية الطاهرة وثيقة النصر للجبهة المقاتلين فيها .. فالمجاهدون إما شهداء، وإما منتصرون .. ومعنى هذا ألا يتحول المجاهدون عن الجهاد، وألا يتركوا المعركة إلّا ومعهم النصر الذي وعدهم الله، وجعله جزاء معجلا لهم .. ولهذا جاءت القسمة هكذا: «فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ» ولم تجىء كما يقضى به ظاهر الأمر .. «فيقتل» أو يسلم! [1]
ومن لطف الله بعباده أن لا يقطع عنهم رحمته، ولا يغلق عنهم أبوابها. بل من حصل منه غير ما يليق أمره ودعاه إلى جبر نقصه وتكميل نفسه، فلهذا أمر هؤلاء بالإخلاص والخروج في سبيله فقال: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ} هذا أحد الأقوال في هذه الآية وهو أصحها.
وقيل: إن معناه: فليقاتل في سبيل الله المؤمنون الكاملو الإيمان، الصادقون في إيمانهم {الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ} أي: يبيعون الدنيا رغبة عنها بالآخرة رغبة فيها.
فإن هؤلاء الذين يوجه إليهم الخطاب لأنهم الذين قد أعدوا أنفسهم ووطَّنوها على جهاد الأعداء، لما معهم من الإيمان التام المقتضي لذلك.
وأما أولئك المتثاقلون، فلا يعبأ بهم خرجوا أو قعدوا، فيكون هذا نظير قوله تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا} إلى آخر الآيات. وقوله: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا
(1) - التفسير القرآني للقرآن (3/ 834)