إنْ كنْتمْ قدْ أصابتْكمْ جراحٌ، وقتل منْكمْ رجالٌ يوْم أحدٍ، فقدْ أصاب أعْداءكمْ قريبٌ ممّا أصابكمْ، فلا ينْبغي لكمْ أنْ تقْعدوا وتتقاعسوا عن الجهاد بسبب ما أصابكمْ، فالمشْركون قدْ سبق أنْ أصابهمْ يوْم بدْرٍ مثْل ما أصابكمْ أنْتمْ في أحدٍ، فلمْ يتقاعسوا، ولمْ يقْعدوا عن الإعْداد للْحرْب ومباشرتها، وهمْ على باطلهمْ، فكيْف تتردّدون وأنْتمْ على حقٍّ، والله وعدكمْ نصْره، وجعل العاقبة لكمْ؟ ومنْ سنن الله تعالى مداولة الأيّام بيْن النّاس، فمرّةً تكون الغلبة للْباطل على الحقّ، إذا أعدّ له أهْله واحْتاطوا، وتراخى أهْل الحقّ، ومرّةً تكون الغلبة للْحقّ على الباطل. ولكنّ العاقبة تكون دائمًا للْحقّ وأهْله. والله تعالى يبْتلي المؤْمنين ليعْلم الصّابرين الصّادقين منْهمْ، وليتّخذ من المؤمنين رجالًا يكْرمهمْ بالشّهادة. [1]
هو عزاء آخر للمؤمنين لما أصيبوا به في أنفسهم، ولما أصيبوا به في أهليهم .. وأنهم إن يكونوا قد أصيبوا اليوم بما يؤلم ويوجع، فقد أصابوا هم أعداءهم بما يؤلم ويوجع! ثم ليعلم المؤمنون من هذا أن طريقهم في مسيرتهم مع الإسلام ليست كلها يوما واحدا كيوم بدر، بل إنهم سيغلبون ويغلبون، ويقتلون ويقتلون، ويصيبون ويصابون .. وهكذا الدنيا .. وتلك سنّة الحياة فيها .. لا تدوم على وجه واحد، بل هى وجوه متقلبة متغيرة! تقبل وتدبر، وتضحك وتبكى ..
وذلك هو الذي يعطى الحياة حيوية، وهو الذي يغرى الناس بالسعي والعمل، لينتقلوا من حال إلى حال، ومن وضع إلى وضع .. ولو أخذ الناس بوضع ثابت مستقر- ولو كان ذلك في أحسن حال، وأمكن وضع- لماتت في أنفسهم نوازع التطلعات إلى المستقبل، ولخمدت فيهم جذوة الحماس للكفاح والنضال.
وقوله تعالى: «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ» بيان لحكمة الله من هذا الابتلاء .. ففى هذا الابتلاء، وتحت وطأة القتال، ينكشف إيمان المؤمنين، ويعرف ما عندهم من صدق وبلاء .. فيكتب لهم ما كان في علم الله، وما وقع منهم، وهو أنهم مؤمنون مجاهدون! وفى قوله تعالى: «وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ» إشارة إلى أن جماعة المؤمنين الذين كانوا مع النبىّ في أحد- كانوا جميعا على درجة عالية من الإيمان، وأنّ أنزلهم درجة فى
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:433، بترقيم الشاملة آليا)