فهرس الكتاب

الصفحة 2749 من 3472

وتشرح هذه الآية والآيات التي بعدها ما أجملته الآية السابقة، من هذا الموقف المتخاذل الذي كان من هؤلاء القوم، الذين يمكرون بآيات الله، ويستخفّون بأوامره وأحكامه.

لقد اختار لهم الله ملكا يقاتلون معه، وذلك إجابة لمقترحهم الذين اقترحوه .. فجعلوا يفتشون في هذا الملك المختار من قبل الله، ويفندون الأسس التي قام عليها اختياره، وفى ذلك ما فيه من جرأة على الله، وعدوان على ما يقضى به ويحكم فيه ..

وليتهم إذ نظروا، وقعت أنظارهم على ما في الإنسان من فضائل نفسية وروحية، هى التي يكون بها التفاضل والتمايز بين إنسان وإنسان .. ولكنهم لم ينظروا إلا إلى ما أشربته قلوبهم من حبّ المال، الذي هو ميزان المفاضلة والفضل عندهم .. فحين رأوا أن الملك المختار لم يكن أكثرهم مالا، وأوسعهم ثراء، أنكروا أن يكون ملكا عليهم، وقالوا: «أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ؟» .

وتلقّوا الإجابة من نبيهم مسكتة مفحمة: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ» ! فهل لهم أن يحتكموا على الله؟ لقد اصطفاه الله عليهم .. «وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ» ثم إن هذا الذي اصطفاه عليهم قد زاده الله بسطة في العلم والجسم، فإذا كان فيهم من يفضله في المال، فهو يفضلهم في كمال الجسم وتمام العقل، وذلك مما يكمل به الملك ويجمل به الملوك! جمال وروعة في المظهر، وفى المخبر .. معا ..

«وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» يصطفى من يشاء لما يشاء، وسع فضله كل شىء، وأحاط علمه بكل شىء، فلا معقّب لحكمه، ولا منازع له في سلطانه. «فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا» ؟

لم يطمئن القوم إلى ما أخبرهم به نبيّهم عن طالوت، وأن الله قد اصطفاه لهذه المهمة، وأن عنده من مستلزمات الملك ما ليس لأحد منهم .. بسطة في العلم والجسم .. ولكنهم أبوا أن يخفّوا للانضواء إليه والقتال تحت رايته .. فجاءهم نبيهم بآية محسوسة، يجدونها بين أيديهم، أمارة على اصطفاء الله له، وهو أن يعود إليهم التابوت الذي افتقدوه من زمن بعيد، وفى هذا التابوت سكينة واطمئنان لهم، إذ كانوا يجدون في وجوده بينهم دلالة على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت