فهرس الكتاب

الصفحة 2764 من 3472

المحاولة، وضلالة المنهج كما يلقي صرامة القضاء، وسرعة الفصل عند الله. «ثُمَّ أَحْياهُمْ» .. هكذا بلا تفصيل للوسيلة .. إنها القدرة المالكة زمام الموت وزمام الحياة. المتصرفة في شؤون العباد، لا ترد لها إرادة ولا يكون إلا ما تشاء .. وهذا التعبير يلقي الظل المناسب على مشهد الموت ومشهد الحياة. ونحن في مشهد إماتة وإحياء. قبض للروح وإطلاق .. فلما جاء ذكر الرزق كان التعبير: «وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ» .. متناسقا في الحركة مع قبض الروح وإطلاقها في إيجاز كذلك واختصار. وكذلك يبدو التناسق العجيب في تصوير المشاهد، إلى جوار التناسق العجيب في إحياء المعاني وجمال الأداء ..

ثم يورد السياق التجربة الثانية، وأبطالها هم بنو إسرائيل من بعد موسى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قالَ: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا! قالُوا: وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا؟ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» ..

ألم تر؟ كأنها حادث واقع ومشهد منظور .. لقد اجتمع الملأ من بني إسرائيل، من كبرائهم وأهل الرأي فيهم - إلى نبي لهم. ولم يرد في السياق ذكر اسمه، لأنه ليس المقصود بالقصة، وذكره هنا لا يزيد شيئا في ايحاء القصة، وقد كان لبني إسرائيل كثرة من الأنبياء يتتابعون في تاريخهم الطويل .. لقد اجتمعوا إلى نبي لهم، وطلبوا إليه أن يعين لهم ملكا يقاتلون تحت إمرته «فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .. وهذا التحديد منهم لطبيعة القتال، وأنه في «سَبِيلِ اللَّهِ» يشي بانتفاضة العقيدة في قلوبهم، ويقظة الإيمان في نفوسهم، وشعورهم بأنهم أهل دين وعقيدة وحق، وأن أعداء هم على ضلالة وكفر وباطل ووضوح الطريق أمامهم للجهاد في سبيل الله.

وهذا الوضوح وهذا الحسم هو نصف الطريق إلى النصر. فلا بد للمؤمن أن يتضح في حسه أنه على الحق وأن عدوه على الباطل ولا بد أن يتجرد في حسه الهدف .. في سبيل الله .. فلا يغشيه الغبش الذي لا يدري معه إلى أين يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت