يقاتلون في جبهة الحق، ومن أجل قضية الحقّ .. وهذا من شأنه أن يقيم في كيانهم شعورا بأنهم إنما يقاتلون لله، وفى سبيل الله، لا لأنفسهم، ولا لدنيا يريدونها .. فهم- والحال كذلك- جند من جند الله ... يمدّهم الله بعونه، وتأييده، ونصره ..
وهذا ما يشير إليه تعالى، فيما كان عليه المؤمنون والمشركون في غزوة بدر، إذ يقول سبحانه: «قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ» (13:آل عمران) .
وعلى هذا، فإن قوله تعالى: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ» ليس مرادا به رفع حكم كان واقعا على المؤمنين، ملزما لهم، حيث كان الواحد منهم مطالبا بقتال وقتل عشرة من العدو، ثم أصبح مطالبا بقتال وقتل اثنين- بل إنه إلفات للمسلمين إلى ما أمدهم الله سبحانه وتعالى به من أنصار وأعوان، حين كثّر أعدادهم، وأنهم الآن ليسوا هم وحدهم الذين يحملون عبء الدفاع عن الدعوة الإسلامية، في وجه عدو يملأ وجه الأرض حولهم، فقد كثرت أعداد المسلمين معهم، وإن كانوا أضعف منهم إيمانا، وصبرا على مكاره الحرب، واستبسالا في لقاء العدوّ.
فالآية الأولى خبر، يكشف عن حال، والآية الثانية، خبر آخر يكشف عن حال أخرى.
وعلى هذا تظل الآيتين تحدثان عن حالين من أحوال المسلمين، حالهم حين يكون إيمانهم على هذا المستوي الذي كان عليه المسلمون الأولون السابقون من المهاجرين والأنصار .. وحالهم حين يضعف إيمانهم فتعرض لهم عوارض الضعف والوهن في لقاء عدوّهم.
وهذا من شأنه ألا يقطع الأمل في نفوس المسلمين بأن ينشدوا القوة دائما، وأن يلتمسوها في الإيمان والصبر، وأنه كلما قوى إيمانهم وصبرهم قويت شوكتهم، واشتدت على العدوّ وطأتهم، وكان حساب الواحد منهم راجحا بعشرة من العدو المقاتل لهم ..
فإذا كانت جماعة من جماعات المسلمين في صقع من أصقاع الأرض، تقاتل في سبيل الله، وكانت في قلة ظاهرة أمام عدوّ كثيف العدد، فإنّ لها أن تنشد المدد من الإيمان