المؤمنين من عباده .. وفى هذا ما يخفّ به ميزان كل شىء يتعلّق به الإنسان، من أهل ومال وموطن .. وبذلك يشتدّ عزم المؤمن، ويقوى يقينه، فيجد القدرة من نفسه على أن يجلى عنها كل ما يطوف حول إيمانه بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله، من دواعى الوهن والضعف، حين تطلع عليه الذكريات لأهله وماله ووطنه.
فلقد أيد الله المؤمنين، وأمدّهم بنصره في مواطن كثيرة .. في بدر، وفى الخندق، وفى فتح مكة .. وفى حرب اليهود، في خيبر، وفى المدينة ..
ثم في يوم حنين .. وقد كان المسلمون في عدد عديد، وعدّة ظاهرة، حتى لقد قال قائلهم: «إننا لن نغلب اليوم من قلّة» فقد كانوا في اثنى عشر ألفا، بين راجل وفارس ..
ومع هذا، فإنه ما كاد المسلمون يلتقون بهوازن في وادي حنين قرب مكة، حتى ولّوا مدبرين، وانكشف رسول الله للعدو، ولم يثبت معه إلا عدة من ذوى قرابته، منهم علىّ بن أبى طالب، والعباس بن عبد المطلب، ونفر قليل من المؤمنين .. والذي كان يرصد المعركة في تلك اللحظة ما كان يشك أبدا في أن الدائرة على المسلمين، وأن الهزيمة واقعة بهم، لا محالة ..
لقد تبدّد جيش المسلمين، وتناثرت جموعهم، وذهبت ريحهم، وما كان لقوة في الأرض أن تجمع هذا الكيان الممزق، وأن تبعث فيه الحياة والقوة من جديد ..
ولكن أمداد السّماء، ونفحات الحق، جاءت في وقتها، فأحالت الهزيمة نصرا حاسما .. «ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ» وفى هذا يرى المسلمون أن القوة لله، وأن النصر والعزّة للمؤمنين، وأن البلاء والخزي على الكافرين ..
فمن أراد النصر والعزّة .. فلا مبتغى لهما، ولا سبيل إليهما، إلا بالإيمان، ومع المؤمنين.
ومن رغب عن الإيمان، وآثر عليه الأهل والمال، فلن يلق إلا الذّلة والهوان ..
وفى قوله تعالى: «ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» استدعاء لمن خذلتهم عزائمهم، وتخلى عنهم السداده والتوفيق، فمالوا إلى جانب الضالين والمشركين .. فهؤلاء لا يزال الطريق إلى الله مفتوحا لهم، ولا زالت رحمة الله ومغفرته