يقول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ..
فأى مسلم هذا الذي تحدّثه نفسه بالفرار من المعركة، وهو يعلم حكم الله فيمن يفرّ ويولّى العدوّ دبره؟
ولكن الذي حدث، هو أن المسلمين فرّوا، وولّوا الأدبار .. !
ومن هنا كان هذا الأمر منهم حدثا غريبا، ما كان ينبغى أن يكون في ميدان القتال .. !
وهذا هو بعض السرّ في عطفه «بثم» على الحدث الذي قبله، وهو الضيق والكرب الذي ركب المسلمين في أول القتال .. وفى هذا ما يشعر بأن هذا الحدث- حدث الفرار- وإن كان قد وقع في ميدان القتال، هو حدث مستقلّ بنفسه، منقطع الصلة بما قبله، غير مترتب عليه .. وعطفه على ما قبله هو من عطف حدث على حدث، أو قصة على قصة، أو حال على حال! أما عطف قوله تعالى: «ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ» فهو كذلك عطف حال على حال، أو قصة على قصة .. وهذا ما يشعر بأن الحدث الأول، وهو الفرار والهزيمة، أمر قد وقع، وسوّى حسابه .. ثم بدأ أمر آخر، له حسابه الخاص به، وهو الممثل في تلك المعركة الجديدة التي دخل فيها المسلمون القتال مع العدوّ، بنفوس جديدة ومشاعر جديدة، بل قل وبأشخاص غير الأشخاص ومقاتلين غير المقاتلين .. إذ أنزل الله سكينته عليهم، ونزع لو كان قد استولى على قلوبهم من خوف وهلع، وأمدّهم بجنود من عنده، كانوا ردءا لهم، ويدا قوية ضاربة معهم، فكان لهم النصر والظفر ..
وأمّا عطف قوله تعالى: «ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ» فكان من عطف حال على حال، وقصّة على قصّة، وشأن على شأن، وأن الصّلة التي بينه وبين ما قبله ليست صلة سبب ومسبّب، أو علة ومعلول .. ذلك أن ما كان يتوقعه المسلمون بعد فرارهم وتولّيتهم الأدبار، هو وقوع غضب الله عليهم في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة .. ولكن الذي حدث كان غير هذا، فقد عاد الله سبحانه وتعالى بفضله وإحسانه عليهم، وجاءهم برحمته ومغفرته، وتقبّل توبة التائبين منهم.