وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ،قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ رَأَى مِنَ النَّاسِ مَا رَأَى:"يَا عَبَّاسُ اصْرُخْ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ"،فَأَجَابُوهُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَذْهَبُ لِيَعْطِفَ بَعِيرَهُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَقْذِفُ دِرْعَهُ مِنْ عُنُقِهِ، وَيَأْخُذُ سَيْفَهُ وَقَوْسَهُ ثُمَّ يَؤُمُّ الصَّوْتَ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ مِائَةٌ، فَاسْتَعْرَضُوا النَّاسَ، فَاقْتَتَلُوا، فَكَانَتِ الدَّعْوَةُ أَوَّلَ مَا كَانَتْ بِالْأَنْصَارِ، ثُمَّ جُعِلَتْ آخِرًا بِالْخَزْرَجِ، وَكَانُوا صُبُرًا عِنْدَ الْحَرْبِ، وَأَشْرَفَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي رَكَائِبِهِ فَنَظَرَ إِلَى مُجْتَلَدِ الْقَوْمِ، فَقَالَ:"الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ"،قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النَّاسِ إِلَّا وَالْأُسَارَى عِنْدَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مُكَتَّفُونَ، فَقَتَلَ اللَّهُ مَا قَتَلَ مِنْهُمْ، وَانْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنْهُمْ، وَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ أَمْوَالَهُمْ، وَنِسَاءَهُمْ، وَأَبْنَاءَهُمْ" [1] "
هذه هي المعركة التي اجتمع فيها للمسلمين - للمرة الأولى - جيش عدته اثنا عشر ألفا فأعجبتهم كثرتهم، وغفلوا بها عن سبب النصر الأول، فردهم اللّه بالهزيمة في أول المعركة إليه ثم نصرهم بالقلة المؤمنة التي ثبتت مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - والتصقت به.
والنص يعيد عرض المعركة بمشاهدها المادية، وبانفعالاتها الشعورية: «إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» ..
فمن انفعال الإعجاب بالكثرة، إلى زلزلة الهزيمة الروحية، إلى انفعال الضيق والحرج حتى لكأن الأرض كلها تضيق بهم وتشد عليهم. إلى حركة الهزيمة الحسية، وتولية الأدبار والنكوص على الأعقاب ..
«ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ» .. وكأنما السكينة رداء ينزل فيثبت القلوب الطائرة ويهدئ الانفعالات الثائرة. «وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها» .. فلا نعلم ماهيتها وطبيعتها .. وما يعلم جنود ربك إلا هو .. «وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا» .بالقتل والأسر والسلب والهزيمة: «وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ» .. «ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
فباب المغفرة دائما مفتوح لمن يخطئ ثم يتوب.
(1) - دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ (1885) صحيح- زيادة مني