والثّانية - (كذبوا) - بضم الكاف وتخْفيف الذّال - وكذلك كان يقْرؤها ابْن عبّاسٍ - ومعْناها: إنّه لمّا يئس الرّسل منْ أنْ يسْتجيب لهمْ قوْمهمْ، وظنّ قوْمهمْ أنّ الرّسل قدْ كذبوهمْ، جاء نصْر الله فأيّد الرّسل.
ففي القراءة الأوْلى: يشْعر الرّسل أنّهمْ كذّبوا منْ قبل أقْوامهمْ.
وفي القراءة الثّانية: يدْرك القوْم أنّ الرّسل كذبوهمْ بما جاؤوهمْ به. [1]
استيئس: واجه اليأس، ووقع في تصوره أن لا ملجأ، ولا نجاة، وذلك في لقاء الأحداث، ومصادمة الشدائد .. كذبوا: أي كذب عليهم، إذ لم يتحقق لهم ما وعدوا به إلى أن بلغ بهم الحال إلى هذا اليأس .. وقوله تعالى: «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا» .. حتّى حرف غاية لما قبله .. وهنا كلام محذوف هو الغاية التي يشير إليها هذا الحرف .. والتقدير:
أن مهمة الرسل هى الوقوف في وجه هذا الظلام الزاحف، والتصدّى لتلك القوى العاتية من قوى الشرّ والعدوان، وأنهم مطالبون بأن يثبتوا، ويصبروا، ويصابروا. فإن نصر الله آت لا ريب فيه .. وهكذا يظل الرسل في متلاطم الشدائد والمحن، حتى لقد يدخل اليأس عليهم، وتغيم الحياة في أعينهم، ويغمّ عليهم طريق النجاة، ويخيل إليهم أن النصر أبعد ما يكون منهم- عندئذ تهب ريح النصر، وتطلع عليهم تباشير الصباح، فتطوى جحافل الظلام، وتطارد فلوله ..
وإذا دولة الباطل قد ذهبت، وذهبت آثارها، وإذا راية الحق قد علت، وخفقت أعلامها ..
وفى هذا تسلية للنبىّ الكريم، وشحد لعزيمته، وتثبيت لقدمه، وتطمين لقلبه، وتأكيد للوعد الذي وعد به من ربّه في قوله تعالى: «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» (21:المجادلة) هذا، وليس في استيئاس الرسل، وفى إطافة الظنون بهم، وبأنهم قد كذبوا- ليس في هذا ما ينقص من قدر الرّسل، أو يشكك في كمال إيمانهم بربهم، واستيقانهم من صدق وعده .. فهم على يقين راسخ بما وعدهم الله به، ولكن هناك مواقف حادّة من الضيق، وأحوال بالغة من الشدّة، تأخذ على الإنسان تقديره وتدبيره، وتمثّل له الحقائق
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1707، بترقيم الشاملة آليا)