لا تنْظرْ إلى ما أتْرف فيه هؤلاء الكفّار من النّعْمة والغبْطة والسّرور. ولا تعْجبْ منْ تصرّفهمْ في الأسْفار للتّجارة والتّكسّب ثمّ عوْدتهمْ سالمين إلى أهْليهمْ وديارهمْ. فإنّه متاعٌ قليلٌ زائلٌ، يتمتّعون به في الحياة الدّنْيا، ثمّ يكون مصيرهمْ إلى جهنّم وبئْس المسْتقرّ والمهْد.
أمّا المتّقون فلهمْ عنْد ربّهمْ جنّاتٍ تجْري الأنْهار في جنباتها، وخلال أشْجارها، ويبْقوْن فيها مخلّدين أبدًا، منزّلين فيها منْ عنْد الله، وما عنْد الله منْ جزاءٍ وثوابٍ ورضْوانٍ خيْرٌ للأبْرار الذين يبرّون والديْهمْ وأبْناءهمْ. [1]
فى هذه المناجاة التي كانت تسبح فيها أرواح المؤمنين في رحاب الله، وترفّ بها على مشارف الملأ الأعلى، يؤذّن فيهم بالعودة إلى عالمهم الذي يعيشون فيه، العالم الأرضى، إذ كان لا بدّ من العودة بعد هذه الرحلة المسعدة في عالم الروح، والحق، والنور، لأن الحياة تدعوهم إليها، ليكونوا مع النّاس، وليعيشوا في الناس! ومع ما معهم من زاد طيب تزوّدوا به في تلك الرحلة المسعدة، فإن ما على الأرض من مفاسد وشرور، وما في النّاس من مفسدين وأشرار، جدير به أن يغتال هذا الزاد الطيب، وأن يحرم أصحابه منه إذا لم يحذروا.
ولهذا فقد تلقّاهم الله سبحانه وتعالى بتلك اللفتة الكريمة- تلقاهم وهم يهبطون إلى هذا العالم الأرضى، ليأخذوا حذرهم من العدوّ الراصد لهم بما في يديه من مفاتن ومفاسد، وليظلوا هكذا محتفظين بما وقع لأيديهم من خير، في تطوافهم بالعالم العلوي، وسبحهم فيه ..
وكان قوله تعالى مخاطبا نبيّه الكريم: «لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ» هو اليد القويّة الرّحيمة، التي تمسك على المؤمنين إيمانهم، وتثبت على طريق الحق والخير خطوهم، فلا يغريهم ما يغدو فيه الكافرون وما يروحون، من متاع الحياة وزخرفها، وما يحصّلون فيها من مال، وما يقع لأيديهم من جاه وسلطان، فذلك كله «مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ» .وفى خطاب النبىّ الكريم بهذا النهى ومواجهته بالتحذير مما فيه ..
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:489، بترقيم الشاملة آليا)