عقلوا هذا، وفقهوه، لما اشتروا عذاب الآخرة بلفحات الهجير هذه، التي يخشون لقاءها في طريقهم إلى الجهاد .. ولكنهم قوم لا يفقهون .. [1]
يقول تعالى مبينا تبجح المنافقين بتخلفهم وعدم مبالاتهم بذلك، الدال على عدم الإيمان، واختيار الكفر على الإيمان. {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ} وهذا قدر زائد على مجرد التخلف، فإن هذا تخلف محرم، وزيادة رضا بفعل المعصية، وتبجح به. {وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وهذا بخلاف المؤمنين الذين إذا تخلفوا -ولو لعذر- حزنوا على تخلفهم وتأسفوا غاية الأسف، ويحبون أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، لما في قلوبهم من الإيمان، ولما يرجون من فضل الله وإحسانه وبره وامتنانه.
{وَقَالُوا} أي: المنافقون {لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} أي: قالوا إن النفير مشقة علينا بسبب الحر، فقدموا راحة قصيرة منقضية على الراحة الأبدية التامة. وحذروا من الحر الذي يقي منه الظلال، ويذهبه البكر والآصال، على الحر الشديد الذي لا يقادر قدره، وهو النار الحامية. ولهذا قال: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} لما آثروا ما يفنى على ما يبقى، ولما فروا من المشقة الخفيفة المنقضية، إلى المشقة الشديدة الدائمة. [2]
وفي الظلال:
هؤلاء الذين أدركتهم ثقلة الأرض. ثقلة الحرص على الراحة، والشح بالنفقة. وقعد بهم ضعف الهمة وهزال النخوة، وخواء القلب من الإيمان .. هؤلاء المخلفون - والتعبير يلقي ظل الإهمال كما لو كانوا متاعا يخلف أو هملا يترك - فرحوا بالسلامة والراحة «خلاف رسول اللّه» وتركوا المجاهدين يلاقون الحر والجهد، وحسبوا أن السلامة غاية يحرص عليها الرجال! «وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ..
«وَقالُوا: لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ» وهي قولة المسترخي الناعم الذي لا يصلح لشيء مما يصلح له الرجال.
(1) - التفسير القرآني للقرآن (5/ 856)
(2) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:346)