فهرس الكتاب

الصفحة 2875 من 3472

يزحزح الإنسان عما أراد الله له- يجعل الشرّ أمرا بغيضا حتى عند أهله الذين ساقهم قدرهم إليه .. وذلك أضعف الإيمان في مواجهة الشرّ .. وبهذا يستقيم للإنسانية في مجموعها رأى في الخير وفى الشر، فتحتفى بالخير وترضى عنه، وتبغض الشر وتنفر منه .. وبهذا يتوازن ميزان الحياة .. فيكون فيها الخير والشر، والأخيار والأشرار .. الأمر الذي لا تكون الحياة حياة إلا بهما، ولا يكون الناس ناسا إلّا معهما جميعا!! وإذا استقام في الإنسانية أن الخير طيّب محبوب، وأن الشرّ خبيث مكره، فإنه مطلوب من الإنسان- كل إنسان- أن يسعى جاهدا إلى تحصيل الخير والاستزادة منه، وأن ينفر جاهدا من الشرّ والتخفف منه .. وألا يستولى عليه في حاليه هذين أي شعور بأنه مهما جدّ وجهد فلن يبلغ من جدّه واجتهاده إلا ما قدّره الله له .. ،وكتبه عليه .. فذلك- وإن يكن الحقّ كلّ الحق- أمر غير مكشوف له، وأن عليه أن يعمل للخير، وأن يجدّ في تحصيله، وأن يدع المصير الذي هو صائر إليه، لتقدير الله وحكمه .. «أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ» .

وقوله تعالى: «وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا» تحديد لمهمة الرسول، وأنه ليس مسئولا عن ضلال الضالّين، وعناد المعاندين، إن عليه إلا البلاغ .. «وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا» يشهد بما كان من الرسول من تبليغ رسالة ربه، فمن قبلها، فقد نجا وسعد، ومن أعرض عنها، فقد هلك وشقى .. إن دعوة الرسول ليست لحسابه، وإنما هى لله، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى، فما على الرسول شىء من تولّيه، وإنما حسابه على الله! [1]

كان المسلمون -إذ كانوا بمكة- مأمورين بالصلاة والزكاة أي: مواساة الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النصب والشروط، فإنها لم تفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء لعدة فوائد:

منها: أن من حكمة الباري تعالى أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق [ص:188] عليهم؛ ويبدأ بالأهم فالأهم، والأسهل فالأسهل.

(1) - التفسير القرآني للقرآن (3/ 838)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت