عن الجهاد! الإيمان الذي لم ينضج بعد ليبلغ بالنفس إلى إخراج ذاتها من الأمر والاستماع فقط إلى أمر اللّه واعتبار ه هو العلة والمعلول، والسبب والمسبب، والكلمة الأخيرة - سواء عرف المكلف حكمتها أم لم تتضح له - والتصور الذي لم تتضح معالمه بعد ليعرف المؤمن مهمة هذا الدين في الأرض ومهمته هو - المؤمن - بوصفه قدرا من قدر اللّه، ينفذ به اللّه ما يشاؤه في هذه الحياة .. لا جرم ينشأ عنه مثل هذا الموقف، الذي يصوره السياق القرآني هذا التصوير ويعجب منه هذا التعجيب! وينفر منه هذا التنفير. فأما لماذا لم يأذن اللّه للمسلمين - في مكة - بالانتصار من الظلم والرد على العدوان ودفع الأذى بالقوة .. وكثيرون منهم كان يملك هذا فلم يكن ضعيفا ولا مستضعفا ولم يكن عاجزا عن رد الصاع صاعين .. مهما يكن المسلمون في ذلك الوقت قلة
أما حكمة هذا، والأمر بالكف عن القتال، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والصبر والاحتمال .. حتى وبعض المسلمين يلقى من الأذى والعذاب ما لا يطاق، وبعضهم يتجاوز العذاب طاقته فيفتن عن دينه. وبعضهم لا يحتمل الاستمرار في العذاب فيموت تحت وطأته ..
أما حكمة هذا فلسنا في حل من الجزم بها. لأننا حينئذ نتألى على اللّه ما لم يبين لنا من حكمة ونفرض على أوامره أسبابا وعللا، قد لا تكون هي الأسباب والعلل الحقيقية. أو قد تكون، ولكن يكون وراءها أسباب وعلل أخرى لم يكشف لنا عنها، ويعلم - سبحانه - أن فيها الخير والمصلحة .. وهذا هو شأن المؤمن أمام أي تكليف. أو أي حكم في شريعة اللّه - لم يبين اللّه سببه محددا جازما حاسما - فمهما خطر له من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف أو لكيفية تنفيذ هذا الحكم أو طريقة أداء ذلك التكليف، مما يدركه عقله ويحسن فيه .. فينبغي أن يعتبر هذا كله مجرد احتمال. ولا يجزم - مهما بلغت ثقته بعلمه وعقله وتدبره لأحكام اللّه - بأن ما رآه هو حكمة هو الحكمة التي أرادها اللّه .. نصا .. وليس وراءها شيء، وليس من دونها شيء! فذلك التحرج هو مقتضى الأدب الواجب مع اللّه. ومقتضى ما بين علم اللّه ومعرفة الإنسان من اختلاف في الطبيعة والحقيقة.