فهرس الكتاب

الصفحة 2887 من 3472

وطبيعة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم- لهم وحقيقة صلة الرسول باللّه سبحانه وتعالى ..

وهذا الوجه الثالث - إذا صح - ربما يكون قابلا لأن يوسم به ذلك الفريق من المهاجرين الذين كان سوء تصورهم لحقيقة الموت والأجل، يجعلهم يخشون الناس كخشية اللّه أو أشد خشية. ويقولون: «رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ؟ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ!» .. غير أننا ما نزال نميل إلى اعتبار المتحدث عنهم هنا طائفة أخرى .. تجتمع فيها تلك الأوجه كلها أو بعضها. وهذا الوجه الثالث منها ..

إن القضية التي تتناولها هذه الآيات، هي جانب من قضية كبيرة .. القضية المعروفة في تاريخ الجدل والفلسفة في العالم كله باسم «قضية القضاء والقدر» أو «الجبر والاختيار» .. وقد وردت في أثناء حكاية ذلك الفريق من الناس ثم في الرد عليهم، وتصحيح تصورهم. والقرآن يتناولها ببساطة واضحة لا تعقيد فيها ولا غموض ..

فلنعرضها كما وردت وكما رد عليها القرآن الكريم: «وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ. قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا؟» .. إن اللّه هو الفاعل الأول، والفاعل الواحد، لكل ما يقع في الكون، وما يقع للناس، وما يقع من الناس. فالناس يملكون أن يتجهوا وأن يحاولوا. ولكن تحقق الفعل - أي فعل - لا يكون إلا بإرادة من اللّه وقدر. فنسبة إنشاء الحسنة أو إنشاء السيئة، وإيقاعها بهم، للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو بشر منهم مخلوق مثلهم - نسبة غير حقيقية تدل على عدم فقههم لشيء ما في هذا الموضوع.

إن الإنسان قد يتجه ويحاول تحقيق الخير بالوسائل التي أرشد اللّه إلى أنها تحقق الخير. ولكن تحقق الخير فعلا ينم بإرادة اللّه وقدره. لأنه ليست هناك قدرة - غير قدرة اللّه - تنشئ الأشياء والأحداث وتحقق ما يقع في هذا الكون من وقائع. وإذن يكون تحقق الخير - بوسائله التي اتخذها الإنسان وباتجاه الإنسان وجهده - عملا من أعمال القدرة الإلهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت