أفليست الدنيا -من أولها إلى آخرها- لا نسبة لها في الآخرة. فما مقدار عمر الإنسان القصير جدا من الدنيا حتى يجعله الغاية التي لا غاية وراءها، فيجعل سعيه وكده وهمه وإرادته لا يتعدى حياته الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار، المشحونة بالأخطار.
فبأي رَأْيٍ رأيتم إيثارها على الدار الآخرة الجامعة لكل نعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون، فوالله ما آثر الدنيا على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه، ولا من جزل رأيه، ولا من عُدَّ من أولي الألباب، ثم توعدهم على عدم النفير فقال: {إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} في الدنيا والآخرة، فإن عدم النفير في حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب، لما فيها من المضار الشديدة، فإن المتخلف، قد عصى الله تعالى وارتكب لنهيه، ولم يساعد على نصر دين الله، ولا ذب عن كتاب الله وشرعه، ولا أعان إخوانه المسلمين على عدوهم الذي يريد أن يستأصلهم ويمحق دينهم، وربما اقتدى به غيره من ضعفاء الإيمان، بل ربما فَتَّ في أعضاد من قاموا بجهاد أعداء الله، فحقيق بمن هذا حاله أن يتوعده الله بالوعيد الشديد، فقال: {إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} ثم لا يكونوا أمثالكم {وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا} فإنه تعالى متكفل بنصر دينه وإعلاء كلمته، فسواء امتثلتم لأمر الله، أو ألقيتموه، وراءكم ظهريا. {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لا يعجزه شيء أراده، ولا يغالبه أحد. أي: إلا تنصروا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ،فالله غني عنكم، لا تضرونه شيئا، فقد نصره في أقل ما يكون وأذلة {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} من مكة لما هموا بقتله، وسعوا في ذلك، وحرصوا أشد الحرص، فألجؤوه إلى أن يخرج.
{ثَانِيَ اثْنَيْنِ} أي: هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه. {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} أي: لما هربا من مكة، لجآ إلى غار ثور (1) في أسفل مكة، فمكثا فيه ليبرد عنهما الطلب.
فهما في تلك الحالة الحرجة الشديدة المشقة، حين انتشر الأعداء من كل جانب يطلبونهما ليقتلوهما، فأنزل الله عليهما من نصره ما لا يخطر على البال.
{إِذْ يَقُولُ} النبي صلى الله عليه وسلم {لِصَاحِبِهِ} أبي بكر لما حزن واشتد قلقه، [ص:338] {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} بعونه ونصره وتأييده. {فَأَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} أي: الثبات