فهرس الكتاب

الصفحة 2901 من 3472

وفيها فضيلة السكينة، وأنها من تمام نعمة الله على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش بها الأفئدة، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه، وثقته بوعده الصادق، وبحسب إيمانه وشجاعته.

وفيها: أن الحزن قد يعرض لخواص عباد الله الصديقين، مع أن الأولى -إذا نزل بالعبد- أن يسعى في ذهابه عنه، فإنه مضعف للقلب، موهن للعزيمة.

يقول تعالى لعباده المؤمنين -مهيجا لهم على النفير في سبيله فقال: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا} أي: في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والحر والبرد، وفي جميع الأحوال.

{وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: ابذلوا جهدكم في ذلك، واستفرغوا وسعكم في المال والنفس، وفي هذا دليل على أنه -كما يجب الجهاد في النفس- يجب الجهاد في المال، حيث اقتضت الحاجة ودعت لذلك. ثم قال: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: الجهاد في النفس والمال، خير لكم من التقاعد عن ذلك، لأن فيه رضا الله تعالى، والفوز بالدرجات العاليات عنده، والنصر لدين الله، والدخول في جملة جنده وحزبه. لو كان خروجهم لطلب العرض القريب، أي: منفعة دنيوية سهلة التناول. [1]

إنها ثقلة الأرض، ومطامع الأرض، وتصورات الأرض .. ثقلة الخوف على الحياة، والخوف على المال، والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع .. ثقلة الدعة والراحة والاستقرار .. ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب .. ثقلة اللحم والدم والتراب .. والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه: «اثاقلتم» [2] .وهي بجرسها تمثل الجسم المسترخي الثقيل، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم في ثقل! ويلقيها بمعنى ألفاظه: «اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ» .. وما لها من جاذبية تشد إلى أسفل وتقاوم رفرفة الأرواح وانطلاق الأشواق.

إن النفرة للجهاد في سبيل اللّه انطلاق من قيد الأرض، وارتفاع على ثقلة اللحم والدم وتحقيق للمعنى العلوي في الإنسان، وتغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانه على عنصر

(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:337)

(2) - هذه قرأة حفص وهي أبلغ تصويرا من القراءات التي ورد فيها: «تثاقلتم» .. (السيد رحمه الله)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت