ورسوله، فهو منْهمْ في التّحزّب على الله ورسوله والمؤْمنين. وإنّ الله ورسوله بريئان منْه. ومنْ يتولّى أعْداء الله فهو ظالمٌ، والله لا يهْديه إلى الخيْر. واليهود والنّصارى بعْضهمْ أوْلياء بعْضٍ، ولمْ يكنْ للْمؤْمنين منْهمْ وليٌّ ولا نصيرٌ.
وإذْ كانتْ ولاية أهْل الكتاب لا يتْبعها إلاّ الظالمون فإنّك ترى الذين في قلوبهمْ شكٌّ ونفاقٌ (مرضٌ) يبادرون إلى موالاتهمْ، وإلى موادّتهمْ في الباطن والظّاهر، ويتأوّلون في مودّتهمْ وفي موالاتهمْ، أنّهمْ يخْشون أنْ يقع أمْرٌ منْ ظفر الكافرين بالمسْلمين (تصيبنا دائرةٌ) فتكون لهمْ أيادٍ عنْد اليهود والنّصارى، فينْفعهمْ ذلك حينئذٍ. فعسى الله أنْ يتمّ أمْره بنصْر المسْلمين، ويحقق لهم الفتْح والغلبة، أوْ يتمّ أمْرٌ منْ عنْده كفرْض الجزْية على اليهود والنّصارى، فيصْبح الذين والوْا اليهود والنّصارى من المنافقين نادمين على ما أسرّوا في أنْفسهمْ منْ موالاة هؤلاء تحسّبًا لما لمْ يقعْ، ولمْ ينْفعْهمْ شيْئًا، ولا دفع عنْهمْ محْذورًا.
(هذه الآية والتي قبْلها نزلتا في عبادة بْن الصّامت، وعبْد الله بْن أبيّ بْن سلولٍ من الخزْرج، فقدْ كان لهما حلفاء من اليهود، فجاء عبادة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لي موالٍ من اليهود كثير عددهمْ، وإني أبْرأ إلى الله ورسوله منْ ولاية يهودٍ، وأتولّى الله ورسوله. وقال عبْد الله بْن أبيّ بْن سلولٍ: إنّي رجلٌ أخاف الدّوائر ولا أبْرأ منْ ولاية مواليّ) .
لمّا التجأ هؤلاء المنافقون إلى اليهود والنّصارى يوالونهمْ ويوادّونهمْ، افْتضح أمْرهمْ لعباد الله المؤْمنين، بعْد أنْ كانوا يتستّرون، لا يدْري أحدٌ كيْف حالهمْ، فتعجّب المؤْمنون منْهمْ، كيْف كانوا يظْهرون أنّهمْ من المؤْمنين، يعاضدونهمْ ويساعدونهمْ على أعْدائهم اليهود، فلمّا جدّ الجدّ أظْهروا ما كانوا يخْفون منْ موالاتهمْ وممالأتهمْ على المؤْمنين. ولمّا اسْتبان حالهمْ للْمؤْمنين قالوا: لقدْ هلكتْ أعْمال هؤلاء المنافقين منْ صلاةٍ وصوْمٍ وزكاةٍ وجهادٍ، وخسروا بذلك ما كانوا يرْجونه من الثّواب [1] .
وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ» هو للنهى عن موالاة اليهود والنصارى، وليس دعوة إلى عداوة أو قطيعة، وإنما هو نهى عن مناصرتهم
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:721، بترقيم الشاملة آليا)