هو دعوة إلى الرّفق في الحذر، والتلطف في لقاء المكروه الذي يجىء إلى المؤمن من زوجه أو ولده .. فإذا كان من واجب المؤمن أن يحذر هذا العدوّ الكامن في أقرب الناس إليه وآثرهم عنده، فإن هذا العدوّ يجب أن ينظر إليه من جانب آخر على أنه صديق، وأن هذه العداوة طارئة، وأنه يمكن أن تعالج هذه العداوة بالحكمة، والحسنى، على ألا يكون ذلك على حساب الدين .. وبهذا يمكن أن يبقى المؤمن على هذين العضوين الفاسدين في جسده، وأن يطبّ لهما، وأن يعمل على إصلاحهما ما استطاع، وألا يعجّل بقطعهما إلا بعد أن يستنفد جميع وسائل العلاج، شأنهما في هذا شأن أعزّ الأعضاء والجوارح في الجسد .. فالعفو، والصفح، والمغفرة .. من المؤمن، لزوجه وولده، الواقعين في موقع الفتنة له في دينه- إنّما هو صبر على الأذى، واحتمال الضرّ، في سبيل الإبقاء على علائق الودّ، ووشائج القربى التي هى من أمر الدين، ومن طبيعة الحياة .. شريطة ألا يكون ذلك- كما قلنا- على حساب الدين .. كما يقول سبحانه فيما بين الولد، والوالدين: «أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا» (14،15 لقمان) . [1]
هذا تحذير من الله للمؤمنين، من الاغترار بالأزواج والأولاد، فإن بعضهم عدو لكم، والعدو هو الذي يريد لك الشر، ووظيفتك الحذر ممن هذه وصفه والنفس مجبولة على محبة الأزواج والأولاد، فنصح تعالى عباده أن توجب لهم هذه المحبة الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد، ولو كان فيها ما فيها من المحذور الشرعي ورغبهم في امتثال أوامره، وتقديم مرضاته بما عنده من الأجر العظيم المشتمل على المطالب العالية والمحاب الغالية، وأن يؤثروا الآخرة على الدنيا الفانية المنقضية، ولما كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد، فيما هو ضرر على العبد، والتحذير من ذلك، قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم، أمر تعالى بالحذر منهم، والصفح عنهم والعفو، فإن في ذلك، من المصالح ما لا يمكن حصره، فقال: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} لأن الجزاء من جنس العمل. فمن عفا عفا
(1) - التفسير القرآني للقرآن (14/ 987)