فيهم، ووسواسا يملأ عليهم وجودهم، ويملك تفكيرهم، حتى أنهم- وقد ذهب الأحزاب، وردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا- لم يصدقوا أنهم ذهبوا، إذ ما زال شبحهم مطلا عليهم .. هكذا يفعل الخوف بالجبناء، الذين يحرصون على الحياة، ويبيعون من أجلها الشرف، والمروءة، والرجولة ..
-وقوله تعالى: «وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ» أي ولو فرض أن الأحزاب عادوا مرة أخرى، وأخذوا مثل هذا الموقف من المسلمين، لتمنّى هؤلاء المنافقون أن ترمى بهم الأرض في مطرح غير ما هم فيه، وأن يكونوا من سكان القفار والبوادي ..
-وقوله تعالى: «يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا» ..
كلام مستأنف، يكشف عن حال من أحوال المنافقين، وهو أنهم- لما ركبهم من خوف، يسألون عن أنباء المسلمين في جبهة القتال، لا اطمئنانا على المسلمين، ولكن استكشافا للأمر، وتعرفا على الموقف، حتى يأخذوا العدّة لأنفسهم على الوجه الذي يرونه، فإن جاءتهم الأنباء بأنّ المسلمين رجحت كفتهم وهبّت عليهم ريح النصر، انحازوا إليهم، وخلطوا أنفسهم بهم .. وإن كان الأمر على غير هذا، فلن يعدموا وسيلة يتوسلون بها إلى الأحزاب .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى عن موقف المنافقين: «الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ .. فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (141:النساء) .
-وقوله تعالى: «وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا» هو إنكار على المنافقين أن يسألوا عن أنباء هذا الموقف، وهم بمعزل عنه، وكان الأمر يقتضيهم أن يشاركوا في القتال، وأن يكونوا بين المقاتلين، إن لم يكن ذلك دفاعا عن الدين، فليكن عن الأهل والدار والوطن!! ومع هذا، فإنه لم يفت المسلمين خير كثير من تخلّف هؤلاء المتخلفين، لأنهم لو شهدوا القتال لما قاتلوا، أو قاتلوا قتال المنحرفين، الذين يطلبون السلامة لأنفسهم قبل كل شىء: «وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ» أي لو شهدوا القتال معكم «ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا» أي لم يكن لهم إلا قتال هزيل لا أثر له. [1]
(1) - التفسير القرآني للقرآن (11/ 664)