ولهذا أمر الله رسوله، أن يقول لهم: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم على الحق، وأولياء الله: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} وهذا أمر خفيف، فإنهم لو علموا أنهم على حق لما توقفوا عن هذا التحدي الذي جعله الله دليلا على صدقهم إن تمنوه، وكذبهم إن لم يتمنوه ولما لم يقع منهم مع الإعلان لهم بذلك، علم أنهم عالمون ببطلان ما هم عليه وفساده، ولهذا قال: {وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي من الذنوب والمعاصي، التي يستوحشون من الموت من أجلها، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} فلا يمكن أن يخفى عليه من ظلمهم شيء، هذا وإن كانوا لا يتمنون الموت بما قدمت أيديهم، ويفرون منه [غاية الفرار] ،فإن ذلك لا ينجيهم، بل لا بد أن يلاقيهم الموت الذي قد حتمه الله على العباد وكتبه عليهم. ثم بعد الموت واستكمال الآجال، يرد الخلق كلهم يوم القيامة إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئهم بما كانوا يعملون، من خير وشر، قليل وكثير. [1]
وفي الظلال:
والمباهلة معناها وقوف الفريقين المتنازعين وجها لوجه، ودعاؤهما معا إلى اللّه أن ينكل بالمبطل منهما .. وقد خاف كل من دعاهم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه المباهلة ونكلوا عنها، ولم يقبلوا التحدي فيها. مما يدل على أنهم في قرارة نفوسهم كانوا يعرفون صدق رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وحقية هذا الدين.
وروى الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ، لَآتِيَنَّهُ حَتَّى أَطَأَ عَلَى عُنُقِهِ، قَالَ: فَقَالَ: لَوْ فَعَلَ، لأَخَذَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ عِيَانًا، وَلَوْ أَنَّ الْيَهُودَ تَمَنَّوْا الْمَوْتَ، لَمَاتُوا، وَرَأَوْا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم،لَرَجَعُوا لاَ يَجِدُونَ مَالًا وَلاَ أَهْلًا. [2] .
وقد لا تكون هذه مباهلة ولكن مجرد تحد لهم، بما أنهم يزعمون أنهم أولياء للّه من دون الناس. فما يخيفهم إذن من الموت، ويجعلهم أجبن خلق اللّه؟ وهم حين يموتون ينالون ما عند اللّه مما يلقاه الأولياء والمقربون؟! ثم عقب على هذا التحدي بما يفيد أنهم غير
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:862)
(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) [1/ 654] (2225) صحيح