يخاطب الله تعالى منْ شهد وقْعة أحدٍ من المسْلمين الّذين لمْ يشْهدوا بدْرًا، وكانوا يتحرّقون شوْقًا للْقتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون لهمْ يومٌ كيوْم بدْرٍ، وقدْ ألحّوا على الرسول صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى أحدٍ ليقاتلوا المشْركين. ويقول تعالى لهؤلاء: لقدْ كنْتمْ تتمنّوْن الموْت في سبيل الله قبْل أنْ تلاقوا القوْم في ميْدان المعْركة، فها أنْتمْ تروْن ما كنْتمْ تتمنّوْن فما بالكمْ دهشْتمْ عنْدما وقع الموْت فيكمْ؟ وما بالكمْ تحْزنون وتضْعفون عنْ لقاء ما كنْتمْ تحبّون وتتمنّوْن؟
لمّا انْهزم المسْلمون يوْم أحدٍ، وقتل منْهمْ منْ قتل، أشيع أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدْ قتل، فحصل ضعْفٌ في صفوف المسْلمين، وتأخّرٌ عن القتال، فأنْزل الله تعالى هذه الآية، وفيها يذكّر المسْلمين بأنّ محمّدًا بشرٌ قدْ سبقته رسلٌ، منْهمْ منْ مات، ومنْهمْ منْ قتل، ثمّ ينْكر الله تعالى على منْ ضعف منْهمْ، حين سماع إشاعة قتْل الرّسول، ضعْفه، فقال لهمْ: أفإنْ مات محمّدٌ، أوْ قتل، تراجعْتمْ ونكصْتمْ على أعْقابكمْ؟ ومنْ يتراجع وينْكصْ على عقبيْه، فلنْ يضرّ الله شيئًا، لأنّ الله غنيٌ عن العالمين، أمّا الذين امْتثلوا لأمْر الله، وقاتلوا عنْ دينه، واتّبعوا رسوله، فهؤلاء هم الشّاكرون، وسيجْزيهمْ ربّهمْ على ذلك. لا يموت أحدٌ إلاّ بقدر الله، وحتّى يسْتوْفي المدّة التي جعلها الله له أجلًا (كتابًا مؤجّلًا) ،فلا يتقدّم عنْه ولا يتأخّر. وإذا كان محْيا الإنْسان ومماته بإذْن الله فلا محلّ للْخوْف والجبْن، ولا عذْر في الوهن والضّعْف.
وفي هذه الآية تشْجيعٌ للْجبناء على القتال. فإنّ الإقدام والإحْجام لا ينْقصان منْ عمْر الإنْسان، ولا يزيْدان فيه. ومنْ كان عمله للْدّنيا فقطْ ناله منها ما قدّره الله له منْ ثوابها، ولمْ يكنْ له في الآخرة نصْيبٌ. ومنْ قصد بعمله ثواب الآخرة أعْطاه الله منْ ثوابها، وأعْطاه معها ما قسمه له في الدّنيا منْ نصيبٍ. والله يجْزي الشّاكرين الذين يعْرفون أنْعم الله عليْهمْ، ويسْتعْملونها في الأعْمال الصّالحة. ويعْطيهم الله منْ فضْله ورحْمته في الدّنيا والآخرة بمقْدار شكْرهمْ وعملهمْ. [1]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:436، بترقيم الشاملة آليا)