فهرس الكتاب

الصفحة 2996 من 3472

دار الأمْن والإسْلام)،فتسْألهم الملائكة الكرام: لم لبثْتمْ مقيمين في أرْض الكفْر، وتركْتم الهجْرة؟ فيجيبون: إنّهم كانوا مسْتضْعفين في الأرْض، لا يقْدرون على الخروج من البلد، ولا الذّهاب في الأرْض. فتقول لهم الملائكة: أليْستْ أرْض الله واسعةً فتهاجروا فيها إلى حيْث الأمْن والحرّيّة، والقدْرة على إظْهار الإيمان؟ ويقول تعالى: إنّ هؤلاء الظّالمين لأنْفسهمْ مأْواهمْ جهنّم، وساءتْ مصيرًا.

واسْتثْنى الله تعالى منْ سوء المصير، الذي ينْتظر القاعدين عن الهجْرة منْ دار الشّرْك - وهمْ لا يسْتطيعون إقامة شعائر دينهم - المسْتضْعفين الذين لا يقْدرون على التّخلّص منْ أيْدي المشْركين، والذين لوْ قدروا على التّخلّص لما اسْتطاعوا الاهْتداء إلى سلوك الطّريق، وإيجاد السّبيل، كالعجزة والمرْضى والنّساء والمراهقين الذين عقلوا. فهؤلاء المعْذورون قدْ يتجاوز الله عنْهمْ بترْك الهجْرة منْ دار الكفْر، والله كثير العفْو والغفْران.

يحرّض الله تعالى المؤْمنين على الهجْرة، ويرغّبهمْ في مفارقة المشْركين، ويعْلمهمْ أنّ المؤْمنين حيْثما ذهبوا وجدوا أماكن أمْنٍ يلْجؤون إليها، ويتحصّنون بها من المشْركين، ويتحرّرون فيها من الأعْداء، ويراغمونهم بها، ويجدون سعةً في الرّزْق. ومنْ يخْرج منْ بيْته بنيّة الهجْرة فيلْقى حتْفه في الطّريق، فقدْ حصل له الثّواب عنْد الله، مثْل ثواب منْ هاجر. [1]

فى هذه الآيات دعوة مشدّدة إلى محاربة الظلم والبغي والعدوان، بأسلوب غير أسلوب القوة، ولقاء العدوان بالعدوان، والشر بالشر، حين يكون الإنسان في وجه قوة عاتية متسلطة، ولا قدرة له على دفعها .. إن كرامة الإنسان تفرض عليه أن يدفع عن وجوده الضيم والذل، بكل ما يملك من وسائل مادية وغير مادية، وإلا فقد باع إنسانيّته بثمن بخس، ودرج نفسه في قائمة الخسيس من الحيوان.

ولن يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلّان: غير الحىّ والوتد

هذا على الخسف مربوط برمّته ... وذا يشج فلا يرثى له أحد

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:590، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت