معه شيئا من ماله - أو حبسهم إشفاقهم وخوفهم من مشاق الهجرة - حيث لم يكن المشركون يدعون مسلما يهاجر حتى يمنعوه ويرصدوا له في الطريق .. وجماعة حبسهم عجزهم الحقيقي، من الشيوخ والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة للهرب ولا يجدون سبيلا للهجرة ..
وقد اشتد أذى المشركين لهؤلاء الباقين من أفراد المسلمين بعد عجزهم عن إدراك الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه، ومنعهما من الهجرة. وبعد قيام الدولة المسلمة. وبعد تعرض الدولة المسلمة لتجارة قريش في بدر، وانتصار المسلمين ذلك الانتصار الحاسم. فأخذ المشركون يسومون هذه البقية المتخلفة ألوانا من العذاب والنكال، ويفتنونهم عن دينهم في غيظ شديد.
وقد فتن بعضهم عن دينهم فعلا واضطر بعضهم إلى إظهار الكفر تقية، ومشاركة المشركين عبادتهم ..
وكانت هذه التقية جائزة لهم يوم أن لم تكن لهم دولة يهاجرون إليها - متى استطاعوا - فأما بعد قيام الدولة، ووجود دار الإسلام، فإن الخضوع للفتنة، أو الالتجاء للتقية، وفي الوسع الهجرة والجهر بالإسلام، والحياة في دار الإسلام .. أمر غير مقبول.
وهكذا نزلت هذه النصوص تسمي هؤلاء القاعدين محافظة على أموالهم ومصالحهم، أو إشفاقا من مشاق الهجرة ومتاعب الطريق .. حتى يحين أجلهم .. تسميهم: «ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ» .. بما أنهم حرموها الحياة في دار الإسلام، تلك الحياة الرفيعة النظيفة الكريمة الحرة الطليقة. وألزموها الحياة في دار الكفر تلك الحياة الذليلة الخانسة الضعيفة المضطهدة، وتوعدهم «جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا» .. مما يدل على أنها تعنى الذين فتنوا عن دينهم بالفعل هناك! ولكن التعبير القرآني - على أسلوب القرآن - يعبر في صورة، ويصور في مشهد حي نابض بالحركة والحوار: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ .. ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ .. قالُوا: فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ! قالُوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً، فَتُهاجِرُوا فِيها» ؟! ..