فهرس الكتاب

الصفحة 3015 من 3472

الْجِهَادِ بِلَا نَفَقَةٍ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمٌ فَانْقَطَعُوا فِي الطَّرِيقِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ غَيْرُ النَّفَقَةِ، وَعَلَيْهِ فَقِيلَ هِيَ أَنْ يَخْلُوَا بِالْجِهَادِ فَيَتَعَرَّضُوا لِلْهَلَاكِ الَّذِي هُوَ عَذَابُ النَّارِ، وَقِيلَ: هِيَ اقْتِحَامُ الْحَرْبِ بِحَيْثُ يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ نِكَايَةٍ تَحْصُلُ مِنْهُ لِلْعَدُوِّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قَاتِلٌ لِنَفْسِهِ تَعَدِّيًا، وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الْعَدُوِّ فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ. فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِينَا، صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَنَصَرْنَاهُ وَشَهِدْنَا مَعَهُ الْمُشَاهَدَ، فَلَمَّا قَوِيَ الْإِسْلَامُ وَكَثُرَ أَهْلُهُ رَجَعْنَا إلَى أَهْلَيْنَا وَأَمْوَالِنَا نُصْلِحُهَا فَنَزَلَتْ الْآيَةُ فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَتَرْكَ الْجِهَادِ، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى كَانَ آخِرَ غَزَاةٍ غَزَاهَا بِقُسْطَنْطِينِيَّة فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَتُوُفِّيَ هُنَالِكَ وَدُفِنَ فِي أَصْلِ سُوَرِهَا وَهُمْ يَسْتَسْقُونَ بِهِ، وَلَا شَاهِدَ فِي هَذَا لِأَنَّ أَبَا أَيُّوبَ لَمْ يَقُلْ يَحِلُّ إلْقَاءُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ فِي الْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ إظْهَارِ نِكَايَةٍ وَهَذَا هُوَ الْمُدَّعَى.

وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا بِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ أَلْقَوْا بِنُفُوسِهِمْ فِي الْعَدُوِّ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛وَكَذَا وَقَعَ فِي زَمَنِ عُمَرَ لِرَجُلٍ فَقِيلَ أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ فَقَالَ كَذَبُوا {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة:207] وَلَا شَاهِدَ لَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُلَاقِ الْمُدَّعَى أَيْضًا لِأَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْوَقَائِعِ لَيْسَ فِيهَا أَنَّ أَحَدًا أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي الْعَدُوِّ حَتَّى قُتِلَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا تَظْهَرُ مِنْهُ نِكَايَةٌ فِيهِمْ، بَلْ الظَّاهِرُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ مَا أَقْدَمُوا ذَلِكَ الْإِقْدَامَ الْأَعْظَمَ إلَّا لِإِيقَاعِ نِكَايَةٍ فِي عَدُوِّهِمْ هَذَا قَصْدُهُمْ، ثُمَّ تَارَةً يَظْهَرُ مِنْ قَاصِدِ ذَلِكَ نِكَايَةٌ وَتَارَةً لَا، وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى قَصْدِ النِّكَايَةِ فِيهِمْ لَا ظُهُورِهَا، وَقِيلَ: هِيَ إحْبَاطُ الْإِنْفَاقِ فِي الْجِهَادِ بِالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمِنَّةِ، وَقِيلَ: هِيَ الْقُنُوطُ بِأَنْ يُصِيبَ ذَنْبًا فَيَرَى أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ مَعَهُ عَمَلٌ فَيَنْهَمِكُ فِي الْمَعَاصِي، وَقِيلَ: إنْفَاقُ الْخَبِيثِ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَهِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ؛ وَمَا مَرَّ فِي قِصَّةِ أَبِي أَيُّوبَ رَوَاهَا بِنَحْوِهَا التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: «كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ فَأَخْرَجُوا إلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الرُّومِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ، فَأَمَّرُوا عَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، وَعَلَى الْجَمَاعَةِ فَضَالَةَ بْنَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت