طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ» .. وإنها لأربح تجارة أن يجاهد المؤمن في حياته القصيرة - حتى حين يفقد هذه الحياة كلها - ثم يعوض عنها تلك الجنات وهذه المساكن في نعيم مقيم .. وحقا .. «ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» ..
وكأنما ينتهي هنا حساب التجارة الرابحة. وإنه لربح ضخم هائل أن يعطي المؤمن الدنيا ويأخذ الآخرة. فالذي يتجر بالدرهم فيكسب عشرة يغبطه كل من في السوق. فكيف بمن يتجر في أيام قليلة معدودة في هذه الأرض، ومتاع محدود في هذه الحياة الدنيا، فيكسب به خلودا لا يعلم له نهاية إلا ما شاء الله، ومتاعا غير مقطوع ولا ممنوع؟
لقد تمت المبايعة على هذه الصفقة بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - ليلة العقبة. عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال عبد الله بن رواحة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم:اشترط لربِّك ولنفسك ما شئت! قال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسَكم وأموالكم. قالوا: فإذا فعلنا ذلك، فماذا لنا؟ قال: الجنة! قالوا: ربح البيعُ، لا نُقيل ولا نستقيل! فنزلت: (إن الله اشترى من المؤمنين) ،الآية [1]
وعن قتادة (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) قال:"قد كانت لله أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه".وذُكر لنا أنه بايعه ليلة العقبة اثنان وسبعون رجلا من الأنصار، ذُكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعون على محاربة العرب كلها أو يُسلموا. ذُكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال: أشترط لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم"قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبيّ الله؟ قال:"لكم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة"،ففعلوا، ففعل الله". [2]
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [14/ 499] 17270 صحيح مرسل
(2) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [23/ 365] صحيح مرسل