ثم ذكر اعتذارهم لربهم من جناياتهم وذنوبهم، فقال: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} أي: صدر منهم أعمال [سيئة] (2) كبيرة، أو ما دون ذلك، بادروا إلى التوبة والاستغفار، وذكروا ربهم، وما توعد به العاصين ووعد به المتقين، فسألوه المغفرة لذنوبهم، والستر لعيوبهم، مع إقلاعهم عنها وندمهم عليها، فلهذا قال: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} .
{أولئك} الموصوفون بتلك الصفات {جزاؤهم مغفرة من ربهم} تزيل عنهم كل محذور {وجنات تجري من تحتها الأنهار} فيها من النعيم المقيم، والبهجة والسرور والبهاء، والخير والسرور، والقصور والمنازل الأنيقة العاليات، والأشجار المثمرة البهية، والأنهار الجاريات في تلك المساكن الطيبات، {خالدين فيها} لا يحولون عنها، ولا يبغون بها بدلا ولا يغير ما هم فيه من النعيم، {ونعم أجر العاملين} عملوا لله قليلا فأجروا كثيرا فـ"عند الصباح يحمد القوم السرى"وعند الجزاء يجد العامل أجره كاملا موفرا. وهذه الآيات الكريمات من أدلة أهل السنة والجماعة، على أن الأعمال تدخل في الإيمان، خلافا للمرجئة، ووجه الدلالة إنما يتم بذكر الآية، التي في سورة الحديد، نظير هذه الآيات، وهي قوله تعالى: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} فلم يذكر فيها إلا لفظ الإيمان به وبرسله، وهنا قال: {أعدت للمتقين} ثم وصف المتقين بهذه الأعمال المالية والبدنية، فدل على أن هؤلاء المتقين الموصوفين بهذه الصفات هم أولئك المؤمنون. [1]
والتعبير هنا يصور أداء هذه الطاعات في صورة حسية حركية .. يصوره سباقا إلى هدف أو جائزة تنال: «وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ» .. «وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ» .. سارعوا فهي هناك: المغفرة والجنة .. «أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ» ..
ثم يأخذ في بيان صفات المتقين: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ» .. فهم ثابتون على البذل، ماضون على النهج، لا تغيرهم السراء ولا تغيرهم الضراء. السراء لا تبطرهم فتلهيهم. والضراء لا تضجرهم فتنسيهم. إنما هو الشعور بالواجب في كل حال والتحرر
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:148)