وتعالى، وإما أن يكون ذلك بعد الموت، حيث يعلم المرء مكانه من الجنة أو النار فيقال له يومئذ: «ادخل الجنة» فهى الدار التي أعدّها الله لك.
«قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ» !
إنه يتمنّى لقومه أن ينالوا هذا الخير الذي ناله، بإيمانه بربه، وأن يعلموا ما أعد الله للمؤمنين من مغفرة وإكرام .. وأنّى لهم أن يعلموا هذا الغيب؟
وأنّى لهم أن يؤمنوا به، وقد أنكروا ما لمسوه بحواسهم، وكذبوا ما رأوه بأعينهم؟ ..
هذا هو المثل، وتلك هى مواقف الشخصيات والأحداث فيه ..
وعلى ضوء هذا المثل يرى المشركون الضالون، إلى أين يسير بهم كفرهم وضلالهم، وإلى أين ينتهى الإيمان بالمؤمنين الذين استجابوا لرسول الله، واستقاموا على الطريق الذي يدعوهم إليه!.
والصورة التي يصورها المثل واضحة مشرقة، لا ينقصها أن يفتقد اسم القرية فيها، ولا أن تغيب أسماء الرسل ومشخصاتهم .. إنها مستغنية عن كل هذا .. [1]
{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} حرصا على نصح قومه حين سمع ما دعت إليه الرسل وآمن به، وعلم ما رد به قومه عليهم فقال [لهم] : {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} فأمرهم باتباعهم ونصحهم على ذلك، وشهد لهم بالرسالة، ثم ذكر تأييدا لما شهد به ودعا إليه، فقال: {اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا} أي: اتبعوا من نصحكم نصحا يعود إليكم بالخير، وليس[يريد منكم أموالكم ولا أجرا على نصحه لكم وإرشاده إياكم، فهذا موجب لاتباع من هذا وصفه.
بقي]أن يقال: فلعله يدعو ولا يأخذ أجرة، ولكنه ليس على الحق، فدفع هذا الاحتراز بقوله: {وَهُمْ مُهْتَدُونَ} لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحسنه، ولا ينهون إلا بما يشهد العقل الصحيح بقبحه. فكأن قومه لم يقبلوا نصحه، بل عادوا لائمين له على اتباع الرسل، وإخلاص الدين لله وحده، فقال: {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة، لأنه الذي
(1) - التفسير القرآني للقرآن (11/ 915)