فهرس الكتاب

الصفحة 3076 من 3472

الْأَمِيرُ مَعَ مُوَافِقِيهِ فِي الْمَذْهَبِ وَالنَّسَبِ عَلَى مُخَالِفِيهِ فِيهِمَا لِئَلَّا يَكْسِرَ قُلُوبَهُمْ، فَيَخْذُلُونَهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ إلَيْهِمْ. وَيُكْثِرُ الْمُشَاوَرَةَ لِذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران:159] .وَيَتَخَيَّرُ الْمَنَازِلَ لِأَصْحَابِهِ، وَإِذَا وَجَدَ رَجُلٌ رَجُلًا قَدْ أُصِيبَتْ فَرَسُهُ، وَمَعَ الْآخَرِ فَضْلٌ، اُسْتُحِبَّ لَهُ حَمْلُهُ، وَلَمْ يَجِبْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَإِنْ خَافَ تَلَفَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ فَضْلِ مَرْكُوبِهِ؛ لِيُحْيِيَ بِهِ صَاحِبَهُ، كَمَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ فَضْلِ طَعَامِهِ لِلْمُضْطَرِّ إلَيْهِ، وَتَخْلِيصُهُ مِنْ عَدُوِّهِ." [1] "

وفي سيرة ابن هشام:"وَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِمَسِيرِهِمْ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قُرَيْشٍ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَقَالَ وَأَحْسَنُ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ وَأَحْسَنُ، ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاَللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:24] .وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، فَوَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إلَى بَرْك الْغِمَادِ لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ، حَتَّى تَبْلُغَهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِهِ."

استشارة الْأَنْصَارِ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أَشِيرُوا عليَّ أَيُّهَا النَّاسُ"وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْأَنْصَارَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَدَدُ النَّاسِ، وَأَنَّهُمْ حِينَ بَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بُرآء مِنْ ذمامِك حَتَّى تَصِلَ إلَى دِيَارِنَا، فَإِذَا وَصَلْتَ إلَيْنَا، فَأَنْتَ فِي ذِمَّتِنَا نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أبناءَنا ونساءَنا. فَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يتخوَّف أَلَّا تَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى عَلَيْهَا نَصْرَهُ إلَّا مِمَّنْ دَهَمَهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ عَدُوِّهِ، وَأَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إلَى عَدُوٍّ مِنْ بِلَادِهِمْ. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم،قَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: وَاَللَّهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:"أَجَلْ":قَالَ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عهودَنا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فخُضته لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تخلَّف مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي

(1) - المغني لابن قدامة (9/ 215)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت