وكما يتنافس المجاهدون في حمل راية الإسلام والانضواء تحتها، فإن عليهم أن يبتعدوا عن راية الجاهلية، أو الرايات العمياء التي لا يعرف هدفها، خشية من أن يقادوا إلى ما يسخط الله، وهم إنما يريدون وجهه ورضاه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ» [1] .
والظاهر من قوله: (يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، إنه تفسير لهذه الراية العمية، والمراد أنه لا يقاتل لإعلاء راية الإسلام وإنما لاتباع هوى أو نصر ذي هوى، فلا يدخل في ذلك من قاتل تحت راية حاكم جائر ضد احتلال عدو كافر لأرض المسلمين والسيطرة عليهم لأن الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر، كما مضى، إلا أنه يشترط في هذا الفجور ألا يصل إلى الكفر البواح، فإن كان الحاكم كافرًا كفرًا بواحًا عند المسلمين فيه من الله برهان فعندئذ يجب أن يبدءوا به فيقاتلوه هو وأعوانه وينصبوا من يحكم فيهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم،لأن الكافر الذي اتضح كفره قد يخدع المسلمين ويتعاون مع أعدائهم ضدهم.
ومن الكفر البواح: تحليل ما حرّم الله أو تحريم ما أحلّ الله، مثل أن يبيح لنفسه وضع قوانين تخالف أحكام الكتاب والسنّة، أو يعتقد عدم صلاح الحكم بالإسلام، وكذا من أجاز له ذلك من أعوانه ورعيته فإنه كافر بالله تعالى.
(1) - صحيح مسلم (3/ 1476) 53 - (1848)
[ش (ميتة جاهلية) أي على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم (عمية) هي بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان والميم مكسورة والياء مشددة أيضا قالوا هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور قال إسحاق بن رهويه هذا كتقاتل القوم للعصبية (لعصبة) عصبة الرجل أقاربه من جهة الأب سموا بذلك لأنهم يعصبونه ويعتصب بهم أي يحيطون به ويشتد بهم والمعنى يغضب ويقاتل ويدعو غيره كذلك لا لنصرة الدين والحق بل لمحض التعصب لقومه ولهواه كما يقاتل أهل الجاهلية فإنهم إنما كانوا يقاتلون لمحض العصبية (فقتلة) خبر لمبتدأ محذف أي فقتلته كقتلة أهل الجاهلية (ولا يتحاشى) وفي بعض النسخ يتحاشى بالياء ومعناه لا يكترث بما يفعله فيها ولا يخاف وباله وعقوبته]