وَلَكِنَّ دَعْوَتَهُمْ لَيْسَتْ وَاجِبَةً؛ لحديث ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ «إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَغَارَ عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى المَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ» ،حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الجَيْشِ" [1] وَالْغَارَةُ لاَ تَكُونُ بِدَعْوَةٍ [2] .وَقَيَّدَ ابْنُ الْقَيِّمِ وُجُوبَ الدَّعْوَةِ لِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، وَاسْتِحْبَابُهَا لِمَنْ بَلَغَتْهُ بِمَا إِذَا قَصَدَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْكُفَّارُ قَاصِدِينَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَال فَلِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ دَفْعًا عَنْ نُفُوسِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ [3] ."
وقال الشوكاني:"وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ دُعَاءِ الْكُفَّارِ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْمُقَاتَلَةِ."
وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ الدُّعَاءِ لِلْكُفَّارِ إلَى الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْهَادَوِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ مَعَهُمْ. وَالْمَذْهَب الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَجِب مُطْلَقًا، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ دَلِيلُ مَنْ قَالَ بِهِ.
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجِبُ لِمَنْ لَمْ تَبْلُغهُمْ الدَّعْوَةُ وَلَا يَجِبُ إنْ بَلَغَتْهُمْ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى مَعْنَاهُ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ الِاخْتِلَافُ مِنْ الْأَحَادِيثِ. وَقَدْ زَعَمَ الْإِمَامُ الْمَهْدِيُّ أَنَّ وُجُوبَ تَقْدِيمِ دَعْوَةِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَيَرُدُّ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَذَاهِب الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ حَكَاهَا كَذَلِكَ الْمَازِرِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ) فِيهِ تَرْغِيبُ الْكُفَّارِ بَعْدَ إجَابَتِهِمْ وَإِسْلَامِهِمْ إلَى الْهِجْرَةِ إلَى دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ الْوُقُوفَ بِالْبَادِيَةِ رُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ الشَّرِيعَةِ لِقِلَّةِ مَنْ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ." [4] "
(1) - صحيح البخاري (3/ 148) (2541) وصحيح مسلم (3/ 1356) 1 - (1730)
[ش (غارون) غافلون أي أخذهم على غرة وبغتة. (أنعامهم) هي الإبل والبقر والغنم وأكثر ما تطلق على الإبل. (مقاتلتهم) البالغين الذين هم على استعداد للقتال. (سبى ذراريهم) أخذهم سبيا ووزعهم على الغانمين بعد أن ضرب عليهم الرق. والذراري جمع ذرية وهي ههنا النساء والأولاد غير البالغين. (أصاب يومئذ جويرية) أي كانت في السبي]
(2) - شرح فتح القدير 5/ 195 وحاشية رد المحتار 3/ 223،والمهذب 2/ 231ز
(3) - الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (2/ 6) وكشاف القناع عن متن الإقناع (3/ 41) ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (2/ 508)
(4) - نيل الأوطار (7/ 272)