الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَوْفٍ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ؟ فَكَتَبَ إِلَيَّ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، قَدْ «أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تَسْقِي عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ» .حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ، وَأَمَّا الِاسْتِحْبَابُ فَلِأَنَّ التَّكْرَارَ قَدْ يُجْدِي الْمَقْصُودَ فَيَنْعَدِمُ الضَّرَرُ، وَقُيِّدَ هَذَا الِاسْتِحْبَابُ بِأَنْ لَا يَتَضَمَّنَ ضَرَرًا بِأَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّهُمْ بِالدَّعْوَةِ يَسْتَعِدُّونَ، أَوْ يَحْتَالُونَ، أَوْ يَتَحَصَّنُونَ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ فِي ذَلِكَ تَظْهَرُ مِنْ حَالِهِمْ كَالْعِلْمِ، بَلْ هُوَ الْمُرَادُ إِذْ حَقِيقَتُهُ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا اهـ. كَلَامُ الْمُحَقِّقِ. [1]
ويحصل بلوغ الدعوة بانتشارها، وعلم الناس عنها في الجملة، لأن سماعهم بها يلزم الاستفسار عنها وتعلمها، وقد كان كثير من المشركين يبعثون من يأتيهم بخبرها أو يسافرون بأنفسهم لسماعها.
وقد توافرت في هذا العصر الوسائل التي يمكن تبليغ الدعوة بها إلى كافة الناس بلغاتهم: مثل الإذاعة والتلفاز، والهاتف والأشرطة المسجلة، والكتب المترجمة، والصحف والمجلات والإنترنت ... وغيرها.
ويكفي أن يبلغ زعماء الأمم تلك الدعوة ويطلب منهم أن يبلغوا قومهم وأن يدخلوا جميعًا في الإسلام، وهم الذين يتحملون بعد ذلك مسئولية قومهم إن لم يبلغوهم، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كاتب الملوك والرؤساء. فعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2526)