قَالَ الشَّافِعِيُّ:"قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ ابْنُ خَمْسِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ فِي شِجَارٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْجُلُوسَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُنْكِرْ قَتْلَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَقُتِلَ أَعْمَى مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ الْإِسَارِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قَتْلِ مَنْ لَا يُقَاتِلُ مِنَ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ إِذَا أَبَى الْإِسْلَامَ وَالْجِزْيَةَ".قَالَ الشَّيْخُ: هُوَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا الْقُرَظِيُّ قَدْ ذَكَرْنَا قِصَّتَهُ فِيمَا مَضَى" [1]
قال الطحاوي:"روي عَنْ أَبِي مُوسَى , قَالَ:"لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ حُنَيْنٍ , بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ , فَلَقِيَ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ , فَقُتِلَ دُرَيْدٌ , وَهَزَمَ اللهُ أَصْحَابَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى هَذَا , فَقَالُوا: لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ فِي الْحَرْبِ , وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ , وَبِأَنَّ دُرَيْدًا قَدْ كَانَ حِينَئِذٍ فِي حَالِ مَنْ لَا يُقَاتِلُ , ..
وعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً يَقُولُ: «لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا كَبِيرًا» فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَنْعُ مِنْ قَتْلِ الشُّيُوخِ , وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَيْضًا فِي حَدِيثِ مُرَقِّعِ بْنِ صَيْفِيِّ فِي الْمَرْأَةِ الْمَقْتُولَةِ «مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ» فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أُبِيحَ قَتْلُهُ هُوَ الَّذِي يُقَاتِلُ , وَلَكِنْ لَمَّا رُوِيَ حَدِيثُ دُرَيْدٍ هَذَا , وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْأُخَرُ , وَجَبَ أَنْ تُصَحَّحَ , وَلَا يُدْفَعُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ , فَالنَّهْيُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَتْلِ الشُّيُوخِ فِي دَارِ الْحَرْبِ , ثَابِتٌ فِي الشُّيُوخِ الَّذِينَ لَا مَعُونَةَ لَهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ , مِنْ قِتَالٍ وَلَا رَأْيٍ وَحَدِيثُ دُرَيْدٍ عَلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ لَهُمْ مَعُونَةٌ فِي الْحَرْبِ كَمَا كَانَ لِدُرَيْدٍ , فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يُقَاتِلُونَ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَعُونَةَ الَّتِي تَكُونُ مِنْهُمْ أَشَدُّ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْقِتَالِ , وَلَعَلَّ الْقِتَالَ لَا يَلْتَئِمُ لِمَنْ يُقَاتِلُ إِلَّا بِهَا , فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , قُتِلُوا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم , فِي حَدِيثِ رَبَاحٍ أَخِي حَنْظَلَةَ , فِي الْمَرْأَةِ الْمَقْتُولَةِ «مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ» أَيْ: فَلَا تُقْتَلُ , فَإِنَّهَا لَا تُقَاتِلُ , فَإِذَا قَاتَلَتْ قُتِلَتْ , وَارْتَفَعَتِ الْعِلَّةُ الَّتِي لَهَا مَنَعَ مِنْ قَتْلِهَا , وَفِي قَتْلِهِمْ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا , دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْمَرْأَةِ , إِذَا كَانَتْ أَيْضًا ذَاتَ تَدْبِيرٍ فِي الْحَرْبِ كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ
(1) - السنن الكبرى للبيهقي (9/ 157)