فهرس الكتاب

الصفحة 3166 من 3472

وَكَسْرِ قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَبَحْتُمْ لَهُ أَنْ يَنْغَمِسَ فِي الْكُفَّارِ، وَهُوَ سَبَبٌ لِقَتْلِهِ. قُلْنَا: إذَا كَانَ مُبَارِزًا تَعَلَّقَتْ قُلُوبُ الْجَيْشِ بِهِ، وَارْتَقَبُوا ظَفَرَهُ، فَإِنْ ظَفِرَ جَبَرَ قُلُوبَهُمْ، وَسَرَّهُمْ، وَكَسَرَ قُلُوبَ الْكُفَّارِ، وَإِنْ قُتِلَ كَانَ بِالْعَكْسِ، وَالْمُنْغَمِسُ يَطْلُبُ الشَّهَادَةَ، لَا يَتَرَقَّبُ مِنْهُ ظَفَرٌ وَلَا مُقَاوَمَةٌ. فَافْتَرَقَا. وَأَمَّا مُبَارَزَةُ أَبِي قَتَادَةُ فَغَيْرُ لَازِمَةٍ، فَإِنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ، رَأَى رَجُلًا يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا، فَضَرَبَهُ أَبُو قَتَادَةُ، فَضَمَّهُ ضَمَّةً كَادَ يَقْتُلُهُ. وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْمُبَارَزَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا، بَلْ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا أَنْ يَبْرُزَ رَجُلٌ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَبْلَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ، يَدْعُو إلَى الْمُبَارَزَةِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْتَبَرُ لَهُ إذْنُ الْإِمَامِ، لِأَنَّ عَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ تَمْتَدُّ إلَيْهِمَا، وَقُلُوبَ الْفَرِيقَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِهِمَا، وَأَيُّهُمَا غَلَبَ سَرَّ أَصْحَابَهُ، وَكَسَرَ قُلُوبَ أَعْدَائِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمُبَارَزَةُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ مُسْتَحَبَّةٍ، وَمُبَاحَةٍ، وَمَكْرُوهَةٍ، أَمَّا الْمُسْتَحَبَّةُ؛ فَإِذَا خَرَجَ عِلْجٌ يَطْلُبُ الْبِرَازَ، اُسْتُحِبَّ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ مُبَارَزَتُهُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ. لِأَنَّ فِيهِ رَدًّا عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِظْهَارًا لِقُوَّتِهِمْ. وَالْمُبَاحُ؛ أَنْ يَبْتَدِئَ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ بِطَلَبِهَا، فَيُبَاحُ وَلَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يُغْلَبَ، فَيَكْسِرَ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ شُجَاعًا وَاثِقًا مِنْ نَفْسِهِ، أُبِيحَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ غَالِبٌ، وَالْمَكْرُوهُ أَنْ يَبْرُزَ الضَّعِيفُ الْمِنَّةِ، الَّذِي لَا يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ، فَتُكْرَهُ لَهُ الْمُبَارَزَةُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِهِ ظَاهِرًا." [1] "

قلت: وقد يعاقب الله تعالى من يخرج من جيش المسلمين، بدون إذن الأمير، بما لا يدور في ذهنه من أنواع العقاب العاجلة، مع الإثم الذي سيلقى جزاءه في الآخرة.

فعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم غَزْوَةَ تَبُوكَ فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اخْرُصُوهَا» فَخَرَصْنَاهَا وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، وَقَالَ: «أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ، إِنْ شَاءَ اللهُ» وَانْطَلَقْنَا، حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ فَمَنْ كَانَ لَهُ

(1) - المغني لابن قدامة (9/ 216)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت