بِكَوْنِ الْأَسِيرِ فِيهَا وَلَكِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ الْمُشْرِكِينَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَى التَّمْيِيزِ فِعْلًا لَزِمَهُمْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا قَدَرُوا عَلَى التَّمْيِيزِ بِالنِّيَّةِ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ." [1] ."
وقال ابن حجر:" (وَيَجُوزُ إتْلَافُ بِنَائِهِمْ وَشَجَرِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ وَالظَّفَرِ بِهِمْ) لِلِاتِّبَاعِ فِي نَخْلِ بَنِي النَّضِيرِ النَّازِلِ فِيهِ أَوَّلِ الْحَشْرِ لَمَّا زَعَمُوهُ فَسَادًا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَفِي كُرُومِ أَهْلِ الطَّائِف رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَوْجَبَ جَمْعٌ ذَلِكَ إذَا تَوَقَّفَ الظَّفَرُ عَلَيْهِ. (وَكَذَا) يَجُوزُ إتْلَافُهَا. (إنْ لَمْ يُرْجَ حُصُولُهَا لَنَا) إغَاظَةً وَإِضْعَافًا لَهُمْ. (فَإِنْ رُجِيَ) أَيْ ظُنَّ حُصُولُهَا لَنَا. (نُدِبَ التَّرْكُ) وَكُرِهَ الْفِعْلُ حِفْظًا لِحَقِّ الْغَانِمِينَ. (وَيَحْرُمُ إتْلَافُ الْحَيَوَانِ) الْمُحْتَرَمِ بِغَيْرِ ذَبْحٍ يَجُوزُ أَكْلُهُ رِعَايَةً لِحُرْمَةِ رُوحِهِ وَمِنْ ثَمَّ مُنِعَ مَالِكُهُ مِنْ إجَاعَتِهِ وَتَعْطِيشِهِ بِخِلَافِ نَحْوِ الشَّجَرِ. (إلَّا مَا يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ) فَيَجُوزُ إتْلَافُهُ. (لِدَفْعِهِمْ أَوْ ظَفَرٍ بِهِمْ) قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِي ذَرَارِيِّهِمْ بَلْ أَوْلَى. (أَوْ غَنِمْنَاهُ وَخِفْنَا رُجُوعَهُ إلَيْهِمْ وَضَرَرَهُ) فَيَجُوزُ إتْلَافُهُ أَيْضًا دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَفْسَدَةِ، أَمَّا خَوْفُ رُجُوعِهِ فَقَطْ فَلَا يَجُوزُ إتْلَافُهُ بَلْ يُذْبَحُ لِلْأَكْلِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُحْتَرَمِ كَخِنْزِيرٍ فَيَجُوزُ بَلْ يُسَنُّ إتْلَافُهُ مُطْلَقًا إلَّا إنْ كَانَ فِيهِ عَدْوٌ فَيَجِبُ" [2]
إِذَا قَدَرَ عَلَى الْعَدُوِّ بِالتَّغَلُّبِ عَلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ يُعْلَمُ، لِمَا روي عَنْ حَمْزَةِ الْأَسْلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ فِي سَرِيَّةٍ، وَأَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: «إِنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ» فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعُونِي مِنْ وَرَائِي، فَجِئْتُ، فَقَالَ: «إِنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تُحْرِقُوهُ بِالنَّارِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» [3] .
فَأَمَّا رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ إِمْكَانِ أَخْذِهِمْ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ فَلاَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ فِي حُكْمِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ فَجَائِزٌ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، لِفِعْل الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي غَزَوَاتِهِمْ. هَذَا وَإِنْ تَتَرَّسَ الْعَدُوُّ فِي الْحَرْبِ بِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنِ اضْطُرِرْنَا إِلَى رَمْيِهِمْ بِالنَّارِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَمَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى تَقْدِيرِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ.
(1) - المبسوط للسرخسي (10/ 31)
(2) - تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (9/ 245)
(3) - مسند أبي يعلى الموصلي (3/ 106) (1536) حسن