عَنْهَا، فَأَخَذْتُ بُرْغُوثًا فَأَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُول: قَال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم:لاَ يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلاَّ رَبُّ النَّارِ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ، قَالُوا: يُجْهَزُ عَلَى الْحَيَوَانِ وُجُوبًا، لِلإِرَاحَةِ مِنَ التَّعْذِيبِ بِإِزْهَاقِ رُوحِهِ أَوْ قَطْعِ عُرْقُوبِهِ، أَوِ الذَّبْحِ الشَّرْعِيِّ وَيُحْرَقُ الْحَيَوَانُ نَدْبًا بَعْدَ إِتْلاَفِهِ إِنْ كَانَ الأَعْدَاءُ يَسْتَحِلُّونَ أَكْل الْمَيْتَةِ، وَلَوْ ظَنًّا، لِئَلاَّ يَنْتَفِعُوا بِهِ. فَإِنْ كَانُوا لاَ يَسْتَحِلُّونَ أَكْل الْمَيْتَةِ لَمْ يُطْلَبِ التَّحْرِيقُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا. وَالأَظْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ طَلَبُ تَحْرِيقِهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ اسْتَحَلُّوا أَكْل الْمَيْتَةِ أَمْ لاَ، لاِحْتِمَال أَكْلِهِمْ لَهُ حَال الضَّرُورَةِ. وَقِيل: التَّحْرِيقُ وَاجِبٌ، وَرَجَحَ.
وَقَال اللَّخْمِيُّ: إِنْ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ قَبْل فَسَادِهِ وَجَبَ التَّحْرِيقُ، وَإِلاَّ لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ، وَقَدْ حَصَل بِالإِحْرَاقِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَعَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمُ الأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ: لاَ يَجُوزُ فِي غَيْرِ حَال الْحَرْبِ عَقْرُ الدَّوَابِّ وَإِحْرَاقُ النَّحْل وَبُيُوتِهِ لِمُغَايَظَةِ الْكُفَّارِ وَالإِفْسَادِ عَلَيْهِمْ، سَوَاءٌ خِفْنَا أَخْذَهُمْ لَهَا أَوْ لَمْ نَخَفْ.
وَذَلِكَ بِخِلاَفِ حَال الْحَرْبِ حَيْثُ يَجُوزُ قَتْل الْمُشْرِكِينَ وَرَمْيُهُمْ بِالنَّارِ، فَيَجُوزُ إِتْلاَفُ الْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَصَّل بِإِتْلاَفِ الْبَهَائِمِ إِلَى قَتْل الأَعْدَاءِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة:205] .
ولما جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَمَّرَ عَلَى الْأَجْنَادِ: يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى جُنْدٍ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى جُنْدٍ، وَشُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ عَلَى جُنْدٍ، وَأَمَّرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى جُنْدٍ، ثُمَّ جَعَلَ يَزِيدَ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَخَرَجَ مَعَهُ يُشَيِّعُهُ وَيُوصِيهِ، وَيَزِيدُ رَاكِبٌ، وَأَبُو بَكْرٍ يَمْشِي إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ يَزِيدُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ وَأَمْشِيَ مَعَكَ، فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِرَاكِبٍ، وَلَسْتُ بِتَارِكِكَ أَنْ تَنْزِلَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ هَذَا الْخَطْوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَا يَزِيدُ إِنَّكُمْ سَتَقْدَمُونَ أَرْضًا يُقَدَّمُ إِلَيْكُمْ فِيهَا أَلْوَانُ الْأَطْعِمَةِ، فَسَمُّوا اللَّهَ إِذَا أَكَلْتُمْ، وَاحْمَدُوهُ إِذَا فَرَغْتُمْ، يَا يَزِيدُ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ قَوْمًا قَدْ فَحَصُوا