وقد ظهرت -ولله الحمد- أسبابه [بشعور المسلمين بضرورة رجوعهم إلى دينهم والشعور مبدأ العمل] فنحمده ونسأله أن يتم نعمته، ولهذا قال في وعده الصادق المطابق للواقع: {ولينْصرنّ اللّه منْ ينْصره} أي: يقوم بنصر دينه، مخلصا له في ذلك، يقاتل في سبيله، لتكون كلمة الله هي العليا.
{إنّ اللّه لقويٌّ عزيزٌ} أي: كامل القوة، عزيز لا يرام، قد قهر الخلائق، وأخذ بنواصيهم، فأبشروا، يا معشر المسلمين، فإنكم وإن ضعف عددكم وعددكم، وقوي عدد عدوكم وعدتهم (3) فإن ركنكم القوي العزيز، ومعتمدكم على من خلقكم وخلق ما تعملون، فاعملوا بالأسباب المأمور بها، ثم اطلبوا منه نصركم، فلا بد أن ينصركم.
{يا أيّها الّذين آمنوا إنْ تنْصروا اللّه ينْصرْكمْ ويثبّتْ أقْدامكمْ} وقوموا، أيها المسلمون، بحق الإيمان والعمل الصالح، فقد {وعد اللّه الّذين آمنوا منْكمْ وعملوا الصّالحات ليسْتخْلفنّهمْ في الأرْض كما اسْتخْلف الّذين منْ قبْلهمْ وليمكّننّ لهمْ دينهم الّذي ارْتضى لهمْ وليبدّلنّهمْ منْ بعْد خوْفهمْ أمْنًا يعْبدونني لا يشْركون بي شيْئًا}
ثم ذكر علامة من ينصره، وبها يعرف، أن من ادعى أنه ينصر الله وينصر دينه، ولم يتصف بهذا الوصف، فهو كاذب فقال: {الّذين إنْ مكّنّاهمْ في الأرْض} أي: ملكناهم إياها، وجعلناهم المتسلطين عليها، من غير منازع ينازعهم، ولا معارض، {أقاموا الصّلاة} في أوقاتها، وحدودها، وأركانها، وشروطها، في الجمعة والجماعات.
{وآتوا الزّكاة} التي عليهم خصوصا، وعلى رعيتهم عموما، آتوها أهلها، الذين هم أهلها، {وأمروا بالْمعْروف} وهذا يشمل كل معروف حسنه شرعا وعقلا من حقوق الله، وحقوق الآدميين، {ونهوْا عن الْمنْكر} كل منكر شرعا وعقلا معروف قبحه، والأمر بالشيء والنهي عنه يدخل فيه ما لا يتم إلا به، فإذا كان المعروف والمنكر يتوقف على تعلم وتعليم، أجبروا الناس على التعلم والتعليم، وإذا كان يتوقف على تأديب مقدر شرعا، أو غير مقدر، كأنواع التعزير، قاموا بذلك، وإذا كان يتوقف على جعل أناس متصدين له، لزم ذلك، ونحو ذلك مما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به.