فهرس الكتاب

الصفحة 3222 من 3472

الآخرين، كما كان ملجأ للضعفاء والمساكين والطارقين، ومنطلقًا لأولياء الله المجاهدين الذين يعقد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم الألوية ويبعثهم لجهاد أعداء الله من المشركين.

وكان ثمامة الأسير يشاهد ذلك: فيرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يصطفون للصلاة، كأنهم بنيان مرصوص، كما يراهم وهم يتكاتفون ويتعاونون ويتآخون فيما بينهم ويؤثر بعضهم بعضًا، ويتأمل في سرعة تنفيذهم أمر الله وأمر رسوله والطاعة الكاملة التي لا خيرة لهم فيها. فيلبون الأذان للصلاة كما يلبون النفير إلى الجهاد.

ويسمع كتاب الله وهو يتلى ويفسر بتلك المعاني الربّانية في كل جانب من جوانب الحياة.

ثم فوق ذلك يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،القدوة الحسنى الذي يسبق أصحابه إلى تنفيذ ما يأمرهم به، ويبتعد كل البعد عما ينهاهم عنه، ويشاهده وهو رسول الله ينزل عليه جبريل صباح مساء، يشاهده يتفقد عدوه الكافر المأسور فضلًا عن أصحابه المؤمنين، ويسأله عما عنده كل يوم ويسمع منه، ثم في آخر الأمر يطلق سراحه، فيؤثر كل ذلك في نفسه، فما يكون بينه وبين الدخول في الإسلام فعلًا إلا أن يغتسل ثم يعود فيبوح بكل المعاني التي كانت تجيش في نفسه، وهو مربوط إلى سارية المسجد فيخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ويختلف عنده المقياس لما يحب ويكره فيصبح أبغض الناس إليه أحبهم إليه، وأبغض الأرض إليه أحبها إليه، وهكذا الإسلام يحول الولاء في لحظة من الولاء للقبيلة أو الأرض أو الجنس أو غير ذلك، إلى الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وإن الكلمات التي صدرت من ثمامة وهو مربوط مثل قوله: (عندي خير) جوابًا على قول الرسول صلى الله عليه وسلم له: (ما عندك يا ثمامة؟) وقوله: (وإن تنعم تنعم على شاكر) إن تلك الكلمات لتبشر بالخير الذي كان في قلبه، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظ فيها معنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال:70] .

وقد يرى الإمام أن المصلحة تقتضي أخذ الفداء على الأسير، وإن ادعى الإسلام بعد الأسر، بأن يفدي به أسيرين مسلمين، وهو إذا كان صادقًا في إسلامه سيجعل الله له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت