فهرس الكتاب

الصفحة 3235 من 3472

إنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جِرَاحٌ، وَقُتِلَ مِنْكُمْ رِجَالٌ يَوْمَ أحُدٍ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِمَّا أَصَابَكُمْ، فَلاَ يَنْبَغِي لَكُمْ أنْ تَقْعُدُوا وَتَتَقَاعَسُوا عَنِ الجِهَادِ بِسَبَبِ مَا أَصَابَكُمْ، فَالمُشْرِكُونَ قَدْ سَبَقَ أنْ أَصَابَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ أَنْتُمْ فِي أحُدٍ، فَلَمْ يَتَقَاعَسُوا، وَلَمْ يَقْعُدُوا عَنِ الإِعْدَادِ لِلْحَرْبِ وَمُبَاشَرَتِهَا، وَهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ، فَكَيْفَ تَتَرَدَّدُونَ وَأَنْتُمْ عَلَى حَقٍّ، وَاللهُ وَعَدَكُمْ نَصْرَهُ، وَجَعَلَ العَاقِبَةَ لَكُمْ؟ وَمِنْ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى مُدَاوَلَةُ الأَيَّامِ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَرَّةً تَكُونُ الغَلبَةُ لِلْبَاطِلِ عَلَى الحَقِّ، إذَا أَعَدَّ لَهُ أَهْلُهُ وَاحْتَاطُوا، وَتَرَاخَى أَهْلُ الحَقِّ، وَمَرَّةً تَكُونُ الغَلَبَةُ لِلْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ. وَلَكِنَّ العَاقِبَةَ تَكُونُ دَائِمًا لِلْحَقِّ وَأَهْلِهِ. وَاللهُ تَعَالَى يَبْتَلِي المُؤْمِنينَ لِيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ، وَلِيَتّخِذَ مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالًا يُكْرِمُهُمْ بِالشَّهَادَةِ. [1]

قال ابن جرير رحمه الله:"وَهَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَعْزِيَةٌ لِأَصْحَابِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ بِأُحُدٍ، قَالَ: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، يَعْنِي وَلَا تَضْعُفُوا بِالَّذِي نَالَكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ بِأُحُدٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْقُرُوحِ، عَنْ جِهَادِ عَدُوِّكُمْ وَحَرْبِهِمْ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَهَنَ فُلَانٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَهُوَ يَهِنُ وَهْنًا: {وَلَا تَحْزَنُوا} [آل عمران:139] وَلَا تَأْسَوْا فَتَجْزَعُوا عَلَى مَا أَصَابَكُمْ مِنَ الْمُصِيبَةِ يَوْمَئِذٍ، فَإِنَّكُمْ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، يَعْنِي الظَّاهِرُونَ عَلَيْهِمْ، وَلَكُمُ الْعُقْبَى فِي الظَّفَرِ وَالنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِي نَبِيِّي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَعِدُكُمْ، وَفِيمَا يُنْبِئُكُمْ مِنَ الْخَبَرِ عَمَّا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُكُمْ وَأَمْرُهُمْ" [2]

ويذكر الله المؤمنين بأن ما أصابهم يوم أحد، قد أصاب أعداءهم يوم بدر، وأصابهم شيء منه كذلك يوم أحد، وأن أيام الله التي يلتقي فيها أولياؤه وأعداؤه دولٌ بين المسلمين وبين المشركين، إذا أخذ المسلمون بأسباب النصر أدالهم على عدوهم كما حصل يوم بدر، وإذا فرطوا فيها أدال عليهم أعداءه، كما حصل يوم أحد، ليميز الله صادق الإيمان من غيره، وليختار من المؤمنين - الذين انتهت آجالهم - شهداء تكريمًا لهم، كما قال

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:432،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (6/ 76)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت