فهرس الكتاب

الصفحة 3240 من 3472

وبعد: فقد رأيتَ من هذه النصوص من الكتاب والسنة أن المؤمنين مهما أصابهم من البلاء، ومهما بدا أن عدوهم انتصر عليهم، حتى لو أصاب نبيهم بالجروح وقتل عمه حمزة وغيره من صناديد الصحابة، فإنهم هم الأعلون لا يضعفون ولا يستكينون، بل يظهرون لعدوهم القوة من أنفسهم بمطاردته وإظهاره بمظهر المهزوم في النهاية، فأين المنتسبون إلى الإسلام اليوم من هذه المعاني العالية التي سطرها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفيهم أسوة حسنة؟ إن المنتسبين إلى الإسلام اليوم ليروع غالب قادَتِهم شعوبَهم، ويدخلون عليهم الرعب من قوة أعداء الله، ويدعونهم إلى الاستسلام للكافرين ويركع غالب أولئك القادة لأولئك الأعداء ويذلون لهم، ناسين هذه المعاني الرفيعة وتلك الصفات الحميدة، في الأجداد الأوائل الذين لا يزالون يعيشون على فتات موائد جهادهم وتضحياتهم فلا حول ولا قوة إلى بالله.

الإقامة في أرض المعركة ثلاثة أيام بعد الانتصار على الأعداء:

قد ينتصر في أول المعركة أحد الخصمين، وقد يستمر له النصر إلى النهاية، وقد لا يستمر بل قد يدال عليه خصمه، وليس النصر هو أن يصاب العدو بالقتل والجروح وأخذ الأموال والغنائم فقط، بل ذلك ومعه شعور العدو بالهزيمة الساحقة التي ييأس معها من العودة إلى المحاربة، وشعور الغالب بأنه الأعلى الذي أصبح مسيطرًا وبيده زمام أمر المعركة السابقة، ويأمل أن يكون له النصر كذلك في معركة لاحقة.

ومن علامة الشعور بالهزيمة الساحقة أن يولي العدو هاربًا لا يدري ما خلفه، بل لا يهمه إلا أن ينجو بنفسه، وهذا ما حصل في معركة بدر بالنسبة للمشركين فإنهم ولوا فارين مدبرين لا يلوون على شيء.

لا بل إن المشركين في أحد، وكانت الغلبة في ظاهرها لهم على المسلمين، ولكنهم لم يحافظوا على ذلك الغَلَب وذلك الانتصار عندما ولوا مدبرين، و الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين تسيل أجسادهم دمًا من جروح المعركة يتابعونهم، فكان ذلك ضربًا من الهزيمة، بخلاف المسلمين فإنهم -وإن بدا أنهم هزموا في المعركة فكان منهم سبعون قتيلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت