وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم:2] قَالَ: فَغُلِبَتِ الرُّومُ، ثُمَّ غَلَبَتْ بَعْدُ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ بَعْدُ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ" [1] ."
فقد بشر الله المؤمنين بأمرين:
الأمر الأول: غَلَب الروم على فارس كما مضى.
الأمر الثاني: نصر الله تعالى إياهم الذي سيفرحون به، ولذلك قَالَ سُفْيَانُ: وَسَمِعْتُ أَنَّهُمُ ظَهَرُوا يَوْمَ بَدْرٍ».
لذلك كان من السنة أن يبعث المنتصرون بشيرًا يبشر المسلمين بالنصر.
وقد بوب البخاري في صحيحه بَابُ البِشَارَةِ فِي الفُتُوحِ وروى بسنده عن قَيْسٍ، قَالَ: قَالَ لِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ» ،وَكَانَ بَيْتًا فِيهِ خَثْعَمُ، يُسَمَّى كَعْبَةَ اليَمَانِيَةِ، فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنِّي لاَ أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا» ،فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا، فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم يُبَشِّرُهُ، فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ، فَبَارَكَ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ" [2] "
(1) - المستدرك على الصحيحين للحاكم (2/ 445) (3540) صحيح
(2) - صحيح البخاري (4/ 75) (3076)
قَوْلُهُ: (ذِي الْخَلَصَةِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَاللَّامِ وَالْمُهْمَلَةِ. وَحُكِيَ بِتَسْكِينِ اللَّامِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَذُو الْخَلَصَةِ مُحَرَّكَةً وَبِضَمَّتَيْنِ: بَيْتٌ كَانَ يُدْعَى الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ لِخَثْعَمَ كَانَ فِيهِ صَنَمٌ اسْمُهُ الْخَلَصَةُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْبِتَ الْخَلَصَةِ، اهـ. وَهِيَ نَبَاتٌ لَهُ حَبٌّ أَحْمَرُ. قَوْلُهُ: (مِنْ أَحْمَسَ) بِالْمُهْمَلَتَيْنِ عَلَى وَزْنِ أَحْمَدَ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْحُمْسُ الْأَمْكِنَةُ الصُّلْبَةُ جَمْعُ أَحْمَسَ، وَبِهِ لُقِّبَ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَجَدِيلَةُ وَمَنْ تَابَعَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِتَحَمُّسِهِمْ فِي دِينِهِمْ أَوْ لِالْتِجَائِهِمْ بِالْحَمْسَاءِ وَهِيَ الْكَعْبَةُ، لِأَنَّ حَجَرهَا أَبْيَضُ إلَى السَّوَادِ، وَالْحَمَاسَةُ: الشَّجَاعَةُ، وَالْأَحْمَسُ: الشُّجَاعُ كَالْحَمِيسِ كَذَا فِي الْقَامُوسِ.
وَفِي الْفَتْحِ: هُمْ رَهْطٌ يُنْسَبُونَ إلَى أَحْمَسَ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ أَنْمَارٍ. قَالَ: وَفِي الْعَرَبِ قَبِيلَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا أَحْمَسُ لَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا يُنْسَبُونَ إلَى أَحْمَسَ بْنِ ضُبَيْعَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ. قَوْلُهُ: (نُصُبٌ) بِضَمِّ النُّونِ وَالصَّادِ أَيْ صَنَمٌ.
قَوْلُهُ: (كَعْبَةُ الْيَمَانِيَةِ) أَيْ كَعْبَةُ الْجِهَةِ الْيَمَانِيَةِ. قَوْلُهُ: (فَبَرَّكَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ: أَيْ دَعَا لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ. قَوْلُهُ: (كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ) بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ نَزْعِ زِينَتِهَا وَإِذْهَابِ بَهْجَتِهَا. وَقَالَ الْحَافِظُ: أَحْسَبُ الْمُرَادَ أَنَّهَا صَارَتْ مِثْلَ الْجَمَلِ الْمَطْلِيِّ بِالْقَطِرَانِ مِنْ جَرَبِهِ، أَشَارَ إلَى أَنَّهَا صَارَتْ سَوْدَاءَ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ التَّحْرِيقِ. نيل الأوطار (7/ 295)